"بدنا نعيش".. وعي وطني لا يموت

سؤال عالماشي.. موفق مطر

الثائرون في شوارع قطاع غزة رفعوا شعار "بدنا نعيش" ما يوحي أن الجمهور الفلسطيني الذي تتحكم بمصيره سلطة الانقلاب والانفصال الحمساوية كان بين خيارين إما الموت بقذائف طيران ومدفعية جيش الاحتلال ورصاص قناصته، أو الموت قهرا وجوعا وحزنا خوفا من ارهاب جماعة الاخوان المسلمين فرع فلسطين المسمى (حماس ) ومن شد حبل القرارات التعسفية والضرائب الذي تشده حماس بين الحين والآخر على رقابهم، هذا فوق الحبل الخانق اصلا لآرائهم وحريتهم في التعبير عنها، ما حال بينهم وبين الأمل، فهبوا، وانتفضوا وثاروا على موت قسري ورفضوه بصرخة " بدنا نعيش " ونزلوا الى الشارع بعد كسرهم حاجز الرعب المادي والنفسي الذي راكمته حماس في نفوسهم، فحماس استطاعت ردع جماهير القطاع منذ انقلابها الدموي عبر صور القتل الهمجية التي تقصدت بثها عبر وسائلها الاعلامية، وما مشهد سحل وجر جسد القيادي في كتائب شهداء الأقصى سميح المدهون وهو حي بعد اطلاق النار عليه من مسافة قريبة وتعرية الجزء العلوي من جسده حيث برزت بوضوح آثار الطعنات بالسلاح الأبيض والجروح الطويلة والعميقة فيما الرجل يحاول جاهدا تسليم روحه بصبر وثبات للخلاص من نهش ذئاب بشرية كانوا لايتورعون عن الصراخ " الله اكبر " الا دليل واحد من ألف دليل في هذا السياق .
الثائرون في شوارع قطاع غزة -حسب تقديرنا وتقييمنا- قد نفضوا الغبار عن وعيهم الوطني بعد وصولهم لقناعة ثابتة أن "حماس" قد خدعتهم واتخذت معاناتهم ومستقبلهم ومصائرهم كسلعة تجارية، وان شعاراتها المشتقة من مصطلحات دينية كانت بمثابة دخان للتعمية على اهدافها الحقيقية، فهؤلاء الذين كانوا اطفالا عند انقلاب حماس قبل اثني عشر عاما أصبحوا اليوم على قدر عال من الرؤية، والاحساس بالمسؤولية الوطنية، فأدركوا أن كل مافعلته حماس كان عملية تدمير ممنهج لآمالهم في الحرية، وقيمهم وطموحاتهم في حرية واستقلال وغد افضل ومستقبل حر ديمقراطي.
الثائرون السائرون اليوم في مدن وقرى وبلدات قطاع غزة يريدون ابلاغ حماس رسالة على ورق مصنوع شعبيا دون ترويسات حزبية او فصائلية نصها: "لقد فشلتم في الحكم وفي المقاومة ايضا" والبرهان الأحدث انكم حاولتم استدراج العدوان الاسرائيلي علينا عندما كنا في الشارع نطالب بالكرامة قبل رغيف الخبز ورفع بلاء ضرائبكم وويلات ومصائب قمعكم وجبروتكم واستبدادكم.. لقد واجهتمونا برصاص اطلقتموه من بنادق قلتم انها للمقاومة فاذا بكم توجهونها نحو صدورنا وتكسرون بهراواتكم ضلوع اخوتنا واخواتنا وامهاتنا واحبتنا".
المواطنون الفلسطينيون الثائرون في قطاع غزة أعادوا لوعيهم الوطني اشعاعه الطبيعي، واثبتوا للقاصي والداني ان زمن خداع ودجل مشايخ وامراء حماس قد ولى، وان الاضطهاد والقمع لن يمنعهم من تلمس الفشل الذريع لمشروع فرع الاخوان المسلمين "حماس" في الحكم، بعد فرصتين الأولى كانت في اطار حكومة شكلوها بتكليف رسمي بعد فوزهم بالانتخابات لم تدم الا عاما ونيف، والأخرى بعد انقلابهم المسلح الدموي وسيطرتهم على مفاصل الحياة الادارية والمالية في قطاع غزة ومحاولتهم تسويق مقولة "نموذج الدولة الاسلامية".
الثائرون في قطاع غزة لم ينتظروا طويلا للرد على اعترافات رئيس حكومة دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو التي اقر فيها أن سماح حكومته بتحويل الأموال الى حماس عبر اجهزة حكومته الأمنية كان لمنع قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة بما فيها القدس وغزة، فثار الشباب ليس على حماس التي يستلم قادتها الأموال لمنع قيام "دولة فلسطينية" وحسب، بل لادراكهم ان حماس تقف حائلا بينهم وبين طموحاتهم في التحرر والاستقلال وبناء الدولة التي يريدونها نموذجا للدولة الوطنية الديمقراطية التقدمية، دولة القانون والعدل والمساواة، دولة الاخاء والمحبة والسلام بين كل مواطنيها.
رد الشباب الثائرون في قطاع غزة لأنهم يرفضون تسجيل نقطة سوداء في صفحة كتابهم الوطني، فانتفضوا ثأرا لشرفهم الوطني الذي اهانته حماس، فجماهير الشعب الفلسطيني في غزة ترفض ان يكتب عنها في سجلات التاريخ أنها صمتت عما قاله نتنياهو الذي اسقط بتصريحاته مشايخ وأمراء حماس بمستنقع فضيحة الخيانة والتآمر معه على المشروع الوطني الفلسطيني، خاصة ان حماس روجت لاسمها وواقعها في غزة مرتبطا بمليوني فلسطيني في قطاع غزة، فيما الحقيقة ان مشايخها امراء الحرب والمتكسبين من استخدام الدين والتجارة به وبدماء الغزيين هم الذين انعقدت ألسنتهم ولاذوا بالصمت من هول أحدث انكشاف لمؤامراتهم مع المحتلين الاسرائيليين وقوى اقليمية على المشروع الوطني لمنع قيام دولة فلسطينية مستقلة وتساوقهم مع صفقة القرن التي ابتدأها الرئيس الاميركي دونالد ترامب باسقاط القدس وقضية اللاجئين من اي مشروع لحل سياسي للقضية وزاد عليها تأييده للاستيطان ورفع صفة المحتلة عن الأراضي المحتلة في حرب الخامس من حزيران من عام 1967.
صرخة المواطنين الثائرين في غزة " بدنا نعيش " ونزيدهم عليها " احنا ما بنموت "تلخص واقعهم الذي دفعهم للانتفاضة على دكتاتورية وارهاب المستبدين الاخوان المسلمين فرع فلسطين "حماس" وتلخص رؤيتهم الوطنية وتبرز لمعان وعيهم الوطني.
نعتقد أن المواطنين وعلى رأسهم سيدات وامهات رأيناهن وسمعناهن عبر فيديوهات مصورة من مراكز ميادين المواجهات مع عسكر حماس، قد قالوا كلمتهم مكثفة مركزة ولايحتاجون لمساحات زمانية ولا مكانية كمسارح للتنظير في قنوات تلفزيونية فضائية فقأت عيون كاميراتها ومنعت العالم من رؤية ضلوعهم المكسورة ورؤوسهم النازفة وفرضت حصارا اعلاميا بالتوازي مع حصار عسكر حماس لبيوتهم قبل مداهمتها والانطلاق بحفلة (مناسكهم الاخوانية) التي اقلها تكسير سواعد وأرجل ورؤوس واضلاع كل من ينادي "بدنا نعيش".