مصائد مائية للحفاظ على مياه الأمطار

رام الله- الحياة الجديدة- ميساء بشارات -  يقود المهندس سعد داغر مجموعة من الشبان المتطوعين لابتداع أفكار خلاقة تساعد المزارعين في التغلب على مشكلة شح المياه في بعض المناطق الزراعية بالضفة الغربية، من خلال اعتماد تقنيات بسيطة تقوم على أساس الحد من تبخر مياه الأمطار بسرعة وحفظها لأطول فترة ممكنة في جوف الأرض واستخدامها في ري المحاصيل الزراعية.

المهندس داغر لديه الخبرات المطلوبة في تحويل هذه الأفكار الى آليات عمل قابلة للتطبيق، فبعد خمسة وعشرين عاما من العمل في القطاع الزراعي، بدأ ينفذ أفكاره على أرضه لتلقى النجاح في الحفاظ على مياه الأمطار أطول فترة ممكنة في التربة، والحد من تبخرها.

فكرة المصائد المائية تبلورت لدى داغر بسبب ما تعانيه فلسطين من نقص في المياه خلال فصل الصيف، سواء المخصصة للشرب أو الزراعة، رغم هطول كميات جيدة من الأمطار دون الاستفادة منها ولتبقى فلسطين في حالة عوز مائي للشرب والزراعة.

وحسب تأكيدات داغر فإن بعض المناطق تهطل عليها كمية أمطار جيدة ولا يستفاد منها وتقدر أحيانا بـ 500 ملم، وهي كمية يرى داغر أنها ممتازة، في حين أن 70% من نسبة مياه الأمطار تذهب هدرا في الأودية وبالتالي إلى البحر، وهي تعتبر مياها ضائعة.

ويستخدم داغر طرقا بسيطة وسهلة لتبطيء جريان مياه الأمطار وحجزها لأطول فترة ممكنة في المكان، عن طريق عمل سدات يدوية صغيرة، ومع الوقت تجمع هذه السدات التربة التي تجرفها مياه الأمطار خلفها، لتصبح سدودا صغيرة تحجز المياه وتبطئ جريانها، وبالتالي تستطيع التربة امتصاص المياه بشكل كاف وتسمح لها بالدخول إلى جوف الأرض.

ويوضح داغر أن مياه الأمطار عندما تتجمع داخل السدود الترابية فإن التربة تمتص المياه وتغذي الينابيع والأحواض المائية.

هذه ليست الطريقة الوحيدة التي يصطاد بها داغر مياه الأمطار، بل يستخدم بعض الاجراءات البسيطة في الحقول الزراعية، يقول: "كل مزارع يمكنه استخدام مثل هذه الطرق في أرضه ، والحفاظ على المياه لاستثمارها في ري محاصيله".

الطريقة الثانية للحفاظ على المياه لأطول فترة ممكنة داخل الأرض وفقا لما يشرحه داغر، تقوم على أساس حفر قنوات معاكسة لاتجاه ميلان الأرض، فإذا كان الانحدار باتجاه الشرق تحفر قنوات ممتدة من الشمال إلى الجنوب، وهكذا.

وتشق عدة قنوات في الأرض بعمق( 60-70) سم، شريطة أن يكون عرض كل قناة مترا واحدا وعلى مستوى واحد، ما يعطيها القدرة على تجميع المياه وعرقلة انسيابها.

ووفقا لهذه الطريقة فإنه بالإمكان عمل قنوات كثيرة في قطعة الأرض الواحدة، ويعتمد ذلك على مستوى انحدارها، فكلما كان انحدارها قويا كان عدد القنوات أكثر، دون الاخلال بالمسافة بين كل قناة وأخرى ما بين (4 – 10) أمتار.

وحسب هذه الطريقة، فإنه يتطلب أن تكون أرضيات القنوات مستوية بما يؤدي الى توقف المياه فيها وتبطيء جريانها ما يسمح للتربة بامتصاصها بشكل مريح وبطيء.

ويوضح داغر أهمية تغطية سطح الأرض ببقايا المحاصيل والأعشاب ومخلفات النباتات والقش، لأنها تعمل على منع تسرب اشعة الشمس الى سطح التربة مباشرة وبالتالي تقلل من عملية تبخر المياه.

هذه الطريقة يمكن استخدامها في الحدائق المنزلية أيضا وليس فقط في الأرض الزراعية، بحيث لا نحرق مخلفات النباتات او نتخلص منها في الأودية بل نعمل على ابقائها على سطح التربة كونها تمنع التبخر السريع للمياه وتبطئ من جريانها في فصل الشتاء، وتحافظ عليها لأطول فترة ممكنة داخل التربة.

ولا يعمل داغر على حراثة أرضه منذ سنين على عكس الشائع لدى المزارعين بأهمية حراثة الأرض لدخول التهوية اليها وخاصة الحراثة العميقة، بل يشجع على عدم حراثة الأرض، وقص العشب وتركه على سطح التربة لتحسن من امتصاص الأرض للمياه.

وبدأ داغر تجاربه للحفاظ على المياه بالتربة منذ عشرين عاما، وهو الآن ينقل تجربته وخبراته حول هذه الطرق البسيطة لغيره من المزارعين، من أجل تعميم هذه التجربة على أوسع نطاق حيث باتت تحظى باهتمام وتطبيقات العديد من المزارعين في الأعوام الاخيرة.

ودرب داغر مجموعة من المتطوعين والمزارعين على هذه الطرق في بعض مناطق الضفة الغربية ليبلغ عددهم الآن حوالي الـ 70 متطوعا ومزارعا.

وانعكست النتائج الايجابية لهذه الطرق على الانتاج الزراعي بعد النجاح في تبطيء جريان المياه وبقائها لأطول فترة على السطح ما سهل عملية امتصاص التربة لها، وسط طموح داغر والمتطوعين بان يتم تطبيق هذه الطرق بشكل أوسع في السنوات القادمة، كونها تمتاز بالبساطة والسهولة وقلة التكاليف، وتحافظ على الطبيعة بشكل عام وعلى الانتاج الغذائي بشكل خاص وعلى مياه الأمطار.

من جانبها، تقول مدير دائرة التغير المناخي في وزارة الزراعة ابتسام أبو الهيجاء، إن شح المياه أثر على انتاج المحاصيل في فلسطين، وخاصة في السنوات الاخيرة.

وترجع ابو الهيجاء أسباب شح المياه الى الاحتلال بالدرجة الاولى والذي يسيطر على الموادر المائية في فلسطين بنسبة 100%.

تقول: "إن الاحتلال هو من يتحكم في حصص المياه التي نحصل عليها وذلك حسب اتفاق اوسلو عام 1993، وهذه الحصص غير كافية ما يخلق لنا مشكلة شح او نقصا في المياه".

وتوضح ان الاحتلال يعطينا كفلسطينيين حصة ثابتة سنويا من المياه للزراعة، تقدر بحوالي 150 مليون متر مكعب، منها 90 مليون متر مكعب لقطاع غزة، و60 مليون متر مكعب للضفة الغربية.

وتتابع رغم التوسع الزراعي منذ عام 1994 حتى الآن لم تغير اسرائيل نسبة حصتنا من المياه ما يخلق لدينا مشكلة حقيقية في شح المياه الزراعية، لأن الكميات اصبحت غير كافية، ما يحد من التوسع والتطور الزراعي.

وتوجهت وزارة الزراعة في السنوات الاخيرة لعدة حلول لحل مشكلة نقص المياه منها العمل على "الحصاد المائي" من خلال انشاء آبار جمع المياه بشكل فردي، وهذه الآبار ساعدت في جمع حوالي ٧٠ مترا مكعبا.

وتقول ابو الهيجاء إنه من أجل مواجهة نقص جزء من المياه الناتج عن سيطرة الاحتلال على الموارد المائية، توجهت الزراعة الى انشاء السدود ضمن مشروع الحصاد المائي فانشأت سد العوجا وغيره من السدود الترابية في منطقة بني نعيم و عرابة ما ساعد في جمع فوق ٢٠٠ الى ٢٥٠ الف متر مكعب.

وتضيف: "الزراعة لديها توجه في استخدام المياه العادمة المعالجة في ري بعض المحاصيل العلفية والأشجار".

وتختلف تكلفة كوب المياه الزراعية من منطقة الى اخرى حيث يتراوح الكوب الواحد ما بين شيقل واحد في اريحا، الى خمسة شواقل للكوب في جنين، التي تعاني من شح المياه، وذلك حسب المنطقة وتكاليف الانتاج.

والاختلاف في السعر يأتي بسبب تكلفة الضخ، فمثلا في مدينة اريحا تنتشر العيون المائية والينابيع فالتكلفة فيها قليلة، كما توجد حقوق ملكية لبعض العيون.

ويلعب العرض والطلب على المياه دورا في ارتفاع أسعارها، ففي جنين هناك شح في المياه والعرض والطلب عليها كبير اضافة الى زيادة تكاليف ضخ المياه.

وتعمل وزارة الزراعة على مبادرات لتشجيع الناس على استخدام طرق تحافظ على المياه داخل الأرض لأطول فترة ممكنة من خلال الزراعة الحافظة، والتقليل من حراثة الأرض، لأن الحراثة وخاصة العميقة تعمل على طرد المياه من التربة ودخول اشعة الشمس اليها وتبخرها.

وتشجع الزراعة المزارعين على الزراعة المتداخلة او المتباينة، والتي من شأنها تغطية سطح التربة وعدم تعرضها لأشعة الشمس المباشرة، للحفاظ على المياه لأطول فترة ممكنة وتقلل التبخر، وإدخال أنظمة ري جديدة تعمل على التنقيط البطيء.

بسواعد سعد وغيره من المتطوعين المحبين للأرض استطاعوا تغيير واقع مشكلة المياه في بعض مناطقهم، من خلال بناء السدود في مجرى الشعب والخنادق، رفع طاقة التربة على تخزين مياه الأمطار وتسهيل وصولها الى الجذور وزيادة عمقها بالتربة، وبالتالي زيادة نوعية وجودة الانتاج الزراعي ومساعدة المزارعين في التغلب على مشاكل شح المياه الزراعية في فلسطين.