جداريات الحج الملونة في القدس

حياة وسوق- أسامة العيسة-  تعبّر الرسوم المتعلقة بالحج الإسلامي إلى الديار الحجازية، في القدس وضواحيها، عن مفاهيم دينية ووطنية، تربط بين المدينة الفلسطينية المقدسة، ومكة المكرمة، والمدينة، استمرارًا للربط الذي جاء به القرآن الكريم في سورة الإسراء.
وتذكّر، هذه الرسوم، بماضي القدس، كمدينةٍ، كان كثير من الحجاج المسلمين إلى الديار الحجازية، يقصدونها، بعد إنهاء مناسك الحج هناك، ليستكملوا، وفقا، لمعتقدات الدين الشعبي، رحلة الحج ومناسكه، "بتقديسها" أي تقديس الحجة، بزيارة القدس، والتبرك بأولى القبلتين، وفي زمن مضى، كان الحجاج الذين يصلون إلى القدس، يحصلون على شهادة، تفيد بأنهم قدّسوا حجهم، ورفدت رحلات التقديس هذه، على مدى قرون، تنوع ناس القدس، فبعض الذين وصلوا المدينة، فضلوا الإقامة الدائمة فيها، من دول المغرب العربي، إلى دول افريقية، إلى أوزبكستان، وحتى الصين، والهند، وغيرها.
مفردات 
يتم الاستعداد لاستقبال الحجاج، قبل عودتهم بفترة، وتجهيز جدران المنزل، أو جدران الحارة، بدهنها بلون موحد، وغالبا ما يكون الأبيض، ويخط عليه، بأكثر من نوع خط، وألوان عديدة، عبر كليشيهات جاهزة.
وقد لا تختلف المفردات التي تُخط على الحيطان، عن غيرها في مدنٍ فلسطينية أو عربية، ولكنها تمتاز بأن أغلبها الأعم، يعده خطاطون محترفون، ومن هذه المفردات:
*اسم النبي العربي الأمين؛ محمد (ص)، وتكتب بأكثر من صيغة، فأحيانا يكتب الاسم  وحده دون إضافات، أو يكتب هكذا: محمد رسول الله.
*لفظ الجلالة، ويكتب عادة مفردًا بدون اضافات: الله.
*مأثورات دينية: مثل حج مبرور وذنب مغفور وتجارة لا تبور، وتكتب مجتمعة، أو متفرقة، كاملة، أو جزئية.
*عبارات ترحيبية عامة مثل: أهلاً وسهلاً بحجاج بيت الله الحرام، أو ترحيب بأشخاص بأسمائهم أو بكنيتهم.
طيور وورود وأهلة..!
تتميز جداريات الحج في القدس، بوفرة الرسوم، التي ترمز لمواضيع دينية وطبيعية ووجودية، مثل قيم الحرية، التي يعبر عنها برسوم الطيور، التي تظهر وهي محلقة أو تستعد للطيران.
ومن الرسوم التي تظهر بكثرة على الجداريات، شجر النخيل بتشكيلات مختلفة، والتي قد تشير إلى موطن الكعبة المشرفة، والمدينة المنورة، ورسوم الورود ذات الطابع المحلي، والأهلة، والنجوم، والكعبة المشرفة، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى المبارك، وقبة الصخرة،  
وتكثر رسوم النجمة الثمانية، التي تظهر وحدها أو كخلفية لكتابة أخرى عليها مثل الله أو محمد، وكذلك النجمة والهلال مجتمعان، أو اسم محمد والهلال.
أسماء على الآرمات
يتجاوز الفرح بأداء الحج في القدس، مثيله في المدن الفلسطينية والأخرى، ويبدو أنه يكتسب أهمية أكبر لدى من يؤدي هذه الشعيرة، فيثبت ذلك بالكتابة على آرمة حديدية، توضع على جدار منزله لتستمر طويلاً، دون التفكير بإزالتها، بعد إنهاء استقبال المهنئين. 
ومن نماذج الآرمات، آرمات تحمل اسم الحاج على خلفية لصورة من مناسك الحج أو الكعبة مثل: الحاج أحمد اسحق البديري (أبو اسحق).
وتكثر الآرمات التي تحمل أسماء مزدوجة، قد يكون فيها اسم الحاج ذهب إلى الديار الحجازية كمُحرم، بينما لا يذكر اسم الحاجة بشكلٍ صريح ويستعاض عنه بكنيتها، مثل آرمة تحمل اسم الحاج عمران تيسير الهيموني (أبو تيسير) ووالدته الحاجة أم عمران الهيموني، وأخرى يظهر فيها كنية الحاجة التي تعرف باسم زوجها المرحوم، مثل: الحاجة أم فايز (زوجة المرحوم إبراهيم التوتنجي)، وآرمة كتب عليها: الحاجة أم كمال زوجة الحاج كامل عبد الفتاح مجاهد، مع علمين بالأبيض والأسود كُتب على كل منهما: "لا اله إلا الله محمد رسول الله".
وتكثر اللافتات التي تظهر فيها الأسماء على خلفية مشاهد الحج وصورتي الكعبة وقبة الصخرة، كاللافتة التي تحمل اسم: المرحومة الحاجة نظيرة طه حشيمة (دعاس) زوجة بسيم دعاس، ومن الواضح أن أحدًا من عائلتها حج عنها بعد وفاتها، وعلى خليفة مشاهد لمناسك الحج، وبين صورتي المسجد النبوي والمسجد الأقصى يظهر اسم: الحاج زياد عبد المنعم عبد الجليل الرازم (أبو حاتم)، وعلى خلفية مشاهد لمناسك الحج وبين صورتي المسجد النبوي وقبة الصخرة، يظهر على الآرمة اسم: الحاج أيمن عبد العزيز الغول (أبو محمد) ووالدته الحاجة أم أيمن.
ومثال على الآرمات التي تحوي رسوما لقبة الصخرة والكعبة المشرفة بشكل بارز نقرأ اسم: الحاج رمضان أبو رميلة وحرمه، والحاج محمد عمر عبد الحافظ أبو زعرور، وعلى آرمة تتوسطها صورة للمسجد الأقصى مع رواقه الأمامي، وعلى جانبي الصورة، الكعبة والمسجد النبوي، خط اسم: الحاج عاصم عمران دعنا وحرمه، ونلاحظ هنا تغييرا من وصف الزوجة إلى مصطلح حرمه، مع إضافة كنيته (أبو مهند) والتاريخ الميلادي 2009م والهجري 1430ه.
وهناك لافتات تحمل صورا شخصية للحاج، مثل اللافتة التي كُتب عليها: الحاج سامر إبراهيم البيتوني (أبو علي) ووالدته الحاجة أم علي، حيث تظهر صورتان لشاب على جانبي اللافتة القماشية، واحدة وهو في لباس الإحرام، وأخرى بدون اللباس الأبيض.
ويكتفي البعض برسم للكعبة المشرفة، كما يمكن أن نطالع على لافتة ثبتت على حائط في بلدة القدس القديمة، تظهر فيها صورة كبيرة للكعبة وتحتها كُتب: الحاج أحمد سعيد قويدر (أبو غالب) وحرمه الحاجة (أم غالب). وفي شارع الواد نرى آرمة تظهر عليها صورة الكعبة في الوسط وعلى الجانبين العلمين (لا إله إلا الله ومحمود رسول الله) وتحتهما خُط اسم: الحاج رأفت سميح نجيب ووالدته الحاجة أم رياض.
وهناك لافتات تظهر فيها أسماء النساء بشكل واضح بدون مواربة، ولكنّها قليلة، مثل تلك المثبتة في حي رأس العمود، والتي تحمل اسم: الحاجة رنا معروف البيطار (أم دانية) 1439ه 2018م.  
نقش على الحجر
قد لا يكتفي الحاج أو الحاجة، بآرمات حديدية لتوثيق أدائه لمناسك الحج، فيلجأ إلى حفر ذلك على لوحة حجرية، مثل اللوحات التأسيسية التي توضع على عتبات المنازل العليا (الساقوف) وتتضمن اسم المالك وزمن البناء إضافة إلى قولٍ مأثور.
هذه التقنية يمكن أن نراها داخل أسوار البلدة القديمة وخارجها، مثل اللوحة الحجرية قريبًا من موقف الحافلات في شارع نابلس، والتي تتضمن البسملة بين رسمي الكعبة وقبة الصخرة ثم الآية الكريمة "ولله على الناس حج البيت إذا استطاعوا إليه سبيلاً" ثم اسم: الحاجة درية موسى العكرماوي، مع التاريخين الهجري (1439ه) والميلادي 2018م.
ويمكن أن نراها داخل البلدة القديمة، كما في شارع الواد، فعلى بلاطة حجرية يظهر رسم مصغر يمثل الكعبة باللون الأسود وآيات قرآنية ومأثور شعبي حول الحج، ثم الاسم: محمود موسى أبو صلب، والتاريخ بالهجري 1413ه والميلادي 1993م.
وفي أحيانٍ ليست نادرة، تتحول الجدران أو أبواب الكراجات إلى غرافيتي كبير، للابتهاج بأداء مناسك الحج، كما الخال في قرية سلوان، حيث نقرأ على باب كراج كتابة ضخمة: أهلا وسهلا بالحاج أبو عنان بوجة، وأهلا وسهلا بضيوف الرحمن على جدار قريب.
وعلى الأرجح فإن رسومات الحج في القدس وضواحيها، بألوانها العديدة والمختلفة والمبهجة، تستخدم من قبل الأهالي، لإعلان هوية، أو جانب منها، والتذكير بارتباطات دينية وقومية مع الخارج، خصوصًا وأن المدينة ترزح تحت احتلال يستهدف الأرض والإنسان، والرموز الدينية، بأقدم الطرق التي استخدمها الإنسان، بالرسم والكتابة.