فتح تعود لقيادة دفة الحكومة للمرة الأولى منذ ثلاثة عشر عاماً

الحكومة الفلسطينية الثامنة عشرة.. قيادة التحول الى مشروع الدولة

رئيس الوزراء المكلف: رؤية تنموية مقاومة وتحديات كبيرة
كتب: إبراهيم ربايعة
بعد أسابيع من الجدل السياسي والترقب الشعبي، كلف الرئيس محمود عباس عضو اللجنة المركزية لحركة فتح د. محمد اشتية بتشكيل الحكومة كما كانت كل التوقعات تشير، لتعود رئاسة الحكومة لقيادة الصف الأول في الحركة للمرة الأولى منذ رحيل الحكومة التاسعة التي ترأسها أحمد قريع "أبو العلاء".
وكان اسم اشتية بارزا في أكثر من مناسبة سابقة لتولي هذا الموقع، اذ يعد واحدا من ابرز الشخصيات الاقتصادية الفلسطينية، وسياسيا من الصف الأول بحركة فتح، اكاديميا وعميد شؤون طلبة سابق في جامعة بيرزيت، يحمل الدكتوراة في التنمية الاقتصادية من بريطانيا، كان د. اشتية رئيسا لحملة الرئيس محمود عباس الانتخابية عام 2005، وانتخب عضوا في اللجنة المركزية عام 2009 واعيد انتخابه عام 2016، عمل وزيرا للأشغال العامة والإسكان ويرأس المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والاعمار "بكدار" الذي كان واحدا من مؤسسيه، وهو محافظ البنك الإسلامي للتنمية في فلسطين ورئيس مجلس إدارة مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير، ورئيس مجلس أمناء الجامعة العربية الامريكية في جنين.
قدم رئيس الوزراء المكلف عشرات الكتب والدراسات والمقالات والخطط التنموية، وضع فيها مقترحات وتصورات سياسية واقتصادية واجتماعية ترسم ملامح رؤيته في موقعه الجديد، وقدم د. اشتية وصفته للتنمية الاقتصادية من خلال كتابه الأخير "فلسطين: منظور تنموي جديد"، حدد خلاله الإطار التنموي الأنسب وفق رؤيته، كما ركز من خلال ما قدم على عدد من المحاور حددت ملامح هذه الرؤية:
التنمية تحت الاحتلال
يقر رئيس الوزراء المكلف أن التنمية تحت الاحتلال محددة ومقيدة وتفتقد لحرية الإبداع التنموي، معتبرا أن ما تم إنجازه على مستوى البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية منذ إنشاء السلطة الوطنية مقبول مقارنة بالمحددات المحيطة كونها ورثت نظامًا اقتصاديًّا يحمل في طياته خللاً بنيويا وهيمنة لصالح الاحتلال، ويربط د. اشتية النمو بأربعة محددات أساسية: الزراعة المزدهرة، والتحول الديمغرافي وتوفير مصادر طاقة بديلة وجديدة، وتشجيع الإبداع الفردي.
يستعرض د. اشتية هيكل الاقتصاد الفلسطيني، الذي يراه مقيدا ومرتبطا بطبيعة الاحتلال الذي اعتبره غير كلاسيكي، بل استعماري استيطاني ربط هياكل الاقتصاد الفلسطيني بالإسرائيلي بشكل تابع، فأصبح السوق الإسرائيلي هو المشغل الأساس للعامل الفلسطيني، وأصبحت التجارة باتجاه واحد لصالح إسرائيل التي تسيطر على المعابر وحركة الافراد والبضائع وتسيطر على المناطق المصنفة ج التي تشكل اكثر من 60% من الضفة المحتلة، أسست فيها اقتصادا وبنية تحتية استعمارية موازية.
منهجية التخطيط والتنمية
يعتبر د. اشتية التخطيط التنموي الشامل غير قادر على تلبية تسارع الاحتياج التنموي كونه مقيدًا برؤية القطاع العام لا يقوم على المنهج التشاركي ولا يتناسب مع الهياكل الوظيفية لباقي القطاعات. ويذهب رئيس الوزراء المكلف للتخطيط القطاعي اللامركزي الآخذ بالخصوصيات.
يعتبر د. اشتية ان من الضروري إعادة انتاج البيئة الاقتصادية بمستوها الكلي وارتباطاتها الاجتماعية الإنتاجية عن طريق التحفيز والكفاءة واذابة العوائق البيروقراطية وتعزيز التعليم النوعي وخلق شبكة دعم فعالة للفقراء، ما يتطلب اطارا قانونيا وسياساتيا ناظما على المستويات المالية والنقدية والاستثمارية وبشراكة فاعلة بين القطاعين العام والخاص.
ويولي د. اشتية دعم الفقراء أهمية استراتيجية، اذ يرى ان التنمية لا يجب ان تترك أحدا خلفها ولا تعزز من الانقسام الطبقي، بل الأولى توليد فرص العمل الهادفة لتحقيق النمو في الإنتاج وتمكين الفقراء اقتصاديا بذات الوقت. 
يؤكد رئيس الوزراء المكلف ان إنهاء الاحتلال شرط مسبق لبناء نموذج تنموي فلسطيني فاعل وناجع، إلا أنه يشير لإمكانية البدء بالانفكاك الاقتصادي المتدرج وبناء النموذج الذاتي خطوة خطوة. ويرى ان الهروب من التبعية الاقتصادية ممكن من خلال الضغط القطاعي الناجع، فمثلا من الضروري تشجيع انتشار الاستثمار المنزلي والاقتصادي بالطاقة الشمسية، وهو استثمار ناجع في فلسطين المشمسة في حوالي 300 يوم من أيام السنة.
كما يشدد على ضرورة مقاضاة إسرائيل لقرصنتها اموالنا المستحقة التي منها ضريبة السفر واموال المقاصة وفواتير العلاج والكهرباء والاتصالات والاقتطاعات من أجور العاملين في الداخل والاستيراد غير المباشر والتهريب من المستوطنات. 
ويتحدث رئيس الوزراء المكلف عن ضرورة الخروج من التبعية للاحتلال في مجال الوقود والمحروقات وانشاء البنية التحتية اللازمة لاستيراده بشكل مباشر بعيدا عن إسرائيل، كما يدفع باتجاه تعزيز الاستثمار في مجال تحلية المياه في غزة والحصاد المائي في الضفة لبناء اقتصاد صمود مقاوم ومحصن.
وفي مجال الصناعة، يعتبر رئيس الوزراء المكلف ان المطلوب توفير سياسات حمائية للمنتجات الصناعية الوطنية الوليدة، خاصة البديلة عن المنتج الإسرائيلي، وهذا يتطلب بنية تحتية ملائمة للمدن الصناعية ودعم التطور التكنولوجي والبحث العلمي الصناعي واطلاق نافذة موحدة للاستثمار وعقد شراكات استراتيجية بين شركات صناعية وطنية والدولية.
السياسات العامة.. قراءة مختلفة
يعتبر اشتية ان فلسطين بحاجة لنظام تعليمي، خاصة برياض الأطفال يجعل التعليم ما قبل المدرسي الزاميًا، وهذا يرتبط بتوجه دولي معزز بحثيا يتحدث عن نجاعة وفاعلية وجدوى الاستثمار بالتعليم ما قبل المدرسي وانعكاسه الإيجابي على مردود المتعلم لاحقًا. وفي ذات الإطار يشدد رئيس الوزراء المكلف على أهمية الارتقاء بالتعليم نوعا من خلال التحول الى الابداع وتحفيز التفكير، مشيرا الى ان التربية الوطنية والتعبوية القائمة على المنظومة القيمية والأخلاقية الوطنية والمفاهيم الدينية المعتدلة والموازنة الجندرية غائبة عن المناهج بالشكل المطلوب. 
ويتحدث رئيس الوزراء المكلف عن أهمية بناء شبكة امان تعليمي للفقراء توفر لهم التعليم المجاني، ويقترح انشاء جامعة خاصة بالتدريب المهني والصناعات الحرفية مع ربطها بسوق العمل والقطاعات الصناعية الخفيفة مع توثيق هذا القطاع بقاعدة بيانات داعمة. 
تطوير قطاع التعليم يرتبط وفق د. اشتية بإطلاق نظام للرقابة والمساءلة وضبط الجودة لا يكون رقيبا على المعلم فقط، بل يحسن من ظروف معيشته ويوفر له الحياة الكريمة. 
ويقترح رئيس الوزراء المكلف تعزيز عملية الاستثمار برأس المال البشري في القطاع العام من خلال التدريب والتطوير والاستفادة من التجارب الدولية بهذا السياق، كما يأتي على أهمية الاستفادة من خبرات الموظفين المتقاعدين وتفعيل دورهم بخدمة المجتمع والقطاعات الإنتاجية. 
يعتبر د. اشتية ان هذا الجهد التنموي الكبير بحاجة لفريق متخصص وكفؤ يمثل كافة الأطراف الفاعلة بالعملية التنموية ويمتلك العمق السياسي المطلوب يناط به إدارة العملية من حيث التخطيط والتنفيذ والرقابة وضبط الجودة والتقييم 

التنمية اللامركزية "التنمية بالعناقيد"
يرى رئيس الوزراء المكلف ان الخروج من أزمات الواقع الاقتصادي وانعكاسه الاجتماعي يبدأ من خلال العمل على نقاط الامتياز في كل محافظة، معتبرا البناء على الميزة التنافسية بوابة للتمكين الاقتصادي الاجتماعي، والميزة التنافسية في الاقتصاد هي نقاط القوة التي تستطيع أي منطقة تحقيق مردود اقتصادي ناجع من خلال تطويرها والاستثمار بها، فمثلا دومًا ما امتازت محافظات جنين وطوباس بالزراعة، ما يدفع لبناء سياسات عامة تركز على تعزيز هذا القطاع في هذه المنطقة من خلال الاستثمار بالبنية التحتية وتعزيز البحث العلمي والتطوير في هذا السياق من خلال الجامعات في المنطقة، وهذا ما يمتن الهوية الاقتصادية الاجتماعية لكل محافظة ويمتن قدراتها بتناغم بين مركزها وبلداتها كافة.
ويقر رئيس الوزراء المكلف الا وصفات سهلة للتنمية في ظل الاحتلال، الا انه يرى في هذا النموذج مدخلا للتحول الى اقتصاد تمكين وصمود منتج ومستدام، ومفتاحا للتنمية المستدامة وإعادة ادماج للمواطن في عمليتي الإنتاج وصنع القرار.
هذا النموذج يتطلب بالضرورة -وفق اشتية- إعادة هيكلة الاجسام الوظيفية القائمة والجنوح نحو اللامركزية الفاعلة على مستوى صنع القرار المتخصص والتنفيذ، كما انه يتطلب آلية تغذية راجعة مرتبطة برسم السياسات والتخطيط من أسفل الى أعلى، ما يظهر حجم الجهد المطلوب من الحكومة القادمة في هذا السياق. ومن اجل هذا التحول، يقترح د. اشتية تشكيل هيئة عامة لكل عنقود تضم رؤساء الهيئات المحلية ومدراء المؤسسات العامة ومراكز البحث والتطوير والاجسام الاكاديمية ذات الصلة الى جانب القطاع العام والمؤسسات الأمنية والمجتمع المدني برئاسة المحافظ. 
ويرى رئيس الوزراء ان التخطيط اللامركزي القائم على الاحتياج والميزة التنافسية مفتاح للمشاركة لا في التخطيط فحسب، بل بالتنفيذ والمتابعة والتقييم والتغذية الراجعة انسجاما مع الأهداف الوطنية والمنعة الوطنية لتحقيق الانفكاك التدريجي عن الاحتلال. 
كما يعتبر ان المسؤولية الاجتماعية يجب ان تكون اجبارية بقانون من اجل تفعيل دور القطاع الخاص بدعم الفئات والقطاعات المحتاجة لهذا الإسهام. 

من السلطة الانتقالية الى مشروع التمكين والصمود
ينتقل نموذج د. اشتية في التنمية من المساواة في توزيع الموارد الى الاستدامة والعدالة، وهذا ما يعيد رسم علاقة المواطن بالحكومة لينتقل من موقع المطالبة بالخدمة الى منتجها والمستفيد منها، اذ إن تحديد الاحتياج بلا مركزية يربط الاحتياج الاجتماعي بالميزة التنافسية ويدمج الخدمة بالإنتاج والصمود. 
ويقدم رئيس الوزراء المكلف وصفة "الصمود المقاوم"، التي يرى من خلالها ان صمود المواطن يبدأ من خلال تمكينه ومنحه الأدوات والمقومات اللازمة وادماجه انتاجيا بمنظومة العمل المذكورة، وإعادة هيكلة الاقتصاد على قواعد التوازن بين الانفتاح، الذي يرى وجوب ربطه بالاحتياج لا الاستهلاك المبالغ به، والمنتوج الوطني الذي يستحق الدعم والتعزيز والتطوير.
وفي هذا السياق، يرى رئيس الوزراء المكلف أن هذه الخلطة تتطلب دعم الاقتصاديات المولدة لليد العاملة المستدامة، وتلبية الاحتياج الأساسي ذاتيا ودعم المشاريع الذاتية المتوسطة والصغيرة والعائلية، وتعزيز الابداع والابتكار، والتخلص من التشوهات التي فرضها الاحتلال على اقتصادنا.
وفي  دراسات ومقابلات صحفية، أكد د. اشتية على ضرورة ادماج الاقتصاد الفلسطيني بين الضفة والقطاع والتوازن بين كافة المناطق الفلسطينية لردم الفجوات التنموية والاجتماعية والاقتصادية الموجودة حاليا، واعتبر رئيس الوزراء المكلف أن القطاع بحاجة لخطة اقتصادية تنموية شاملة تقوم على إحياء عملية إعادة الإعمار وتفعيل الممر الآمن للأفراد والبضاع بين الضفة والقطاع وإعادة تاهيل البنية التحتية اللازمة في غزة.
ويؤكد د. اشتية على أهمية توحيد النشاط الاقتصادي بين الضفة والقطاع ومواءمة البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتحسين جودة الحياة في غزة.
ويركز د. اشتية بشكل دائم على ان مشروع السلطة الانتقالي انتهى، مشددا على الحاجة للانتقال الى مشروع تمكين وصمود يصاغ بتشاركية دون ان تكون على حساب المواطن، ويعتبر رئيس الوزراء المكلف ان النظم المالية الحالية لا تتناسب في كثير من اجزائها مع احتياج المواطن وامكاناته في ظل انها مفروضة من قبل الاحتلال بالإكراه ومصممة حسب معدلات الدخل الإسرائيلية. ما يجعل الاقتصاد الفلسطيني هشا وضعيفا امام الأزمات. 
تحديات هائلة
ويقف رئيس الوزراء المكلف امام العديد من التحديات لعل أحدثها أزمة اقتطاع دولة الاحتلال مبالغ من أموال المقاصة ورفض القيادة استقبال هذه الحقوق منقوصة، ما وضع الحكومة في أزمة وعرقل دفع رواتب موظفي القطاع العام، لكن وجود د. اشتية في هذا الموقع وبهذا التوقيت يعكس رؤية فلسطينية بإعادة صياغة العلاقة الاقتصادية مع الاحتلال، ابتداء من المقاصة، اذ تحاول القيادة بناء شبكة امان عربية ودولية للصمود في هذه المواجهة خاصة في ظل صعوبة حسم هذا الملف إسرائيليا قبل انتخابات الكنيست وتشكيل حكومة جديدة.
لكن رؤية رئيس الوزراء المكلف تنبئ بضرورة إعادة صياغة العلاقة الاقتصادية مع الاحتلال وإعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس جديدة تعكس الحراك الدبلوماسية الفلسطيني وانجازاته كدولة تحت الاحتلال لا سلطة وظيفية جاءت لمرحلة انتقالية مؤقتة. 
كما يبرز امام د. اشتية عقبة رفض حركة حماس التعاطي مع ملف المصالحة بإيجابية ورفضها تمكين الحكومة من ممارسة عملها على الأرض في القطاع، ويبدو أن هذا الموقف الحمساوي مرشح للاستمرار في ظل انسداد افاق المصالحة وبحثها، أي حماس، عن قنوات تمويل بديلة تعزز فرص استدامة الانقسام. 
دوليا، يواجه رئيس الوزراء المكلف عقبات امام تجنيد الأموال اللازمة لخططه التنموية في ظل اشتعال الإقليم وتزاحم الأولويات التنموية أمام طاولة المانح الى جانب الصبغة السياسية لهذه المنح، إلا أن خبرة وتجربة د. اشتية تعطيه القدرة لبناء شبكة مانحين بأهداف تنموية محددة مدعومة برؤيته وبرامج الحكومة وخططها القادمة. 
وتعكس عودة حركة فتح لقيادة دفة الحكومة بشخصية سياسية مهنية بارزة قرارا بإعادة هيكلة الدور الاقتصادي- الاجتماعي للحكومة وإعطاء روح سياسية للدور الوظيفي المؤسساتي، ما يشير لدخول مرحلة جديدة في من المواجهة والتحديات الكثير.