يعقوب النتشة.. صانع الزجاج المزخرف في البلدة العتيقة

حياة وسوق- وسام الشويكي - على مدخل "أرض كنعان" تعزف مجموعةُ الأسماك الشفافة والملونة المتدلية بخيوط متينة، نغماتٍ بصوت الزجاج، تضفي والأعمال الزجاجية المزركشة، جمالاً يشي بوضوح إلى أن هذا المكان المتربع داخل بناء عتيق هو مصنع لمهنة تراثية، يجهد يعقوب النتشة، للحفاظ عليها بإبداع، داخل أسوار بلدة الخليل العتيقة، وعلى مقربة من الحرم الإبراهيمي الشريف، اللذين يلفهما الاستيطان.
ويتعدى الشكل العام لهذا المكان، المنمقة أروقته بالزجاج المُصنّع، من كونه معملاً لإعادة تصنيع الزجاج على نحو فيه الفن والجمال من أشكال ونماذج وأدوات، إلى قلعة حصينة في حماية هذه المهنة الحرفية التراثية، أمام غول "التقدم والعصرية" التي تكاد تطيح بكل ما هو تقليدي، شأنها في ذلك شأن كل حرفة تشهد أزقة البلدة القديمة بالخليل على عراقتها وبراعة الصانعين والمشتغلين فيها، من جانب، ومن جانب ثانٍ انتزاع الحياة للبلدة القديمة من أنياب الاحتلال.
يعقوب النتشة، في الخمسينيات من العمر، يعتبر نفسه قطعة أصيلة من هذا المعمل أو المصنع الذي يتخذ ركناً ثابتاً في "سوق السكافية"، ولا يبرحه إلا عندما يسدل الليل خيوطه على معالم البلدة القديمة، مثلما تغطي أعماله ومنتجاته فائقة التصنيع كل زوايا المعمل، بعدما يكون قد فرغ من تشكيل نماذج جديدة، أجهد نفسه طوال يومه، واليوم السابق، في رسم تصور لتصاميمه، ثم عرضها في تحدٍ لبيعها لمرتادي البلدة.
وتتنوع هذه "التحف الزجاجية"؛ بأشكال وأحجام وألوان مختلفة، من قناديل، وأسماك، وأباريق، وقلائد، ومسابح، وأوانٍ، ومزهريات، وكؤوس، وغيرها من أدوات الزينة المصنوعة من الزجاج الملون، بطريقة يدوية باستخدام أنبوب حديدي، ينفث من خلاله ما تبدع به نفسه من أشكال تبدو في مرحلتها الأولى كبالون، سرعان ما تتحول، وبخفة ملحوظة، إلى ما في مخيلته من شكل، أو ما يمكن اعتباره تحفة، قبل أن يفارقه الأنبوب الحديدي تاركاً "لوحة مزخرفة من الجمال".    
ويتغنى النتشة، بهذه المهنة التي بدأت أنفاسه بها، وأنامله بتشكيلها، منذ نعومة أظفاره قبل نحو 50 عاماً، ويقدر أن زجاجها بات الآن بالنسبة له بمثابة "الدم الذي يسري في عروقي.. والأفكار والرؤى التي تسرح في مخيلتي وأحلامي في نومي ويقظتي".
يقول النتشة: "كنت وأنا صغير، عندما بدأت تعلم هذه الحرفة، أنام داخل المصنع، وكنت طوال الليل أحاول القيام بمهمة تشكيل الزجاج".
ويتابع: "نجحت مرات وأخفقت مرات أخرى في تصنيع الزجاج، وبقيت هكذا إلى أن استطعت تشكيل قطعة زجاج رائعة أبهرت العاملين في هذا المجال آنذاك، فمن وقتها خُصصت لي نافذة على الفرن كي أمارس الحرفة مثل الكبار، وكان سني وقتها لا يتجاوز الثمانية أعوام".
وتبدأ أعمال ومراحل هذه الحرفة، من تجميع الزجاج المستعمل على مختلف أشكاله، ثم تكسيره ووضعه في الفرن المكون من الطوب الحراري، لصهره تحت درجة حرارة تصل الى 1500 درجة مئوية، يكون عندها تحول الزجاج إلى ما يشبه الماء، ومن خلال الأنبوب الحديدي يأخذ شيئاً من هذا الزجاج المنصهر ليعيد تشكيله، وزخرفته باستخدام الملقط، على النحو المطلوب،  ثم يواصل عملية التبريد بشكل متعاقب ومتراوح.   
ويوضح النتشة، أنه يمكن استعمال الألوان في مرحلة الانصهار، بإضافة الالوان على هيئة بودرة إلى الزجاج المنصهر، للحصول على اللون الذي يليق بالنموذج والشكل المراد منه.
واليوم، يُسَجل لـ يعقوب النتشة، بأنه واحد من صانعي الزجاج المهرة، الذين دخلوا هذا المجال من أوسع الأبواب، وقاده ذلك للمشاركة في العديد من المسابقات المحلية والعربية والدولية، المتخصصة في إعادة تصنيع مادة الزجاج؛ كمهنة حرفية يشهد التاريخ بأصالتها وعراقتها، ونال على إثرها عديد الجوائز والهدايا.