جرح مفتوح

هآرتس – أسرة التحرير

مر اكثر من نصف سنة منذ نشبت عاصفة "البيان المشترك" لحكومتي اسرائيل وبولندا عن القانون، الذي يسمح برفع الدعاوى على من ينسب للشعب البولندي مسؤولية عن فظائع الكارثة؛ وها هو ثبت الان بان البيان موضع الخلاف الذي ثمة حتى من رأى فيه كتاب استسلام مهين واستعداد لتزوير التاريخ من أجل اهداف سياسية قصيرة المدى، لم يحل شيئا والجرح لا يزال مفتوحا.
لقد أجرى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يوم الخميس الماضي في زيارته الى وارسو استعراضا للصحافيين الاسرائيليين وسئل في اثنائه من "هآرتس" ما رأيه في أن القانون البولندي وان كان لا يتضمن الان مسؤولية جنائية، الا انه لا يزال يسمح برفع الدعاوى في اجراءات مدنية. فاجاب نتنياهو بان البولنديين تعاونوا بالفعل مع النازيين في الكارثة وانه لا يعرف بان احدا قد تعرض لدعوى قضائية بسبب مثل هذا القول.
وقد اقتبست اقوال نتنياهو هذه في احدى وسائل الاعلام بالانجليزية وكأنه قال ان "الامة البولندية" كلها تعاونت مع النازيين، فأشعلت الاقوال من جديد الازمة الدبلوماسية مع الدولتين. فغرد رئيس الوزراء البولندي متوش موربسكي على التويتر بان بولندا لم تتعاون أبدا مع المانيا في اثناء الحرب العالمية الثانية وانها كانت بنفسها ضحية للاحتلال النازي.
وطلبت وزارة الخارجية البولندية من مكتب نتنياهو ايضاحات حول اقواله الدقيقة في الاستعراض. ولكن حتى بعد ان صدرت هذه على شكل بيان بالانجليزية، جاء فيه ان نتنياهو لم يقصد في اقواله كل البولنديين، فقد اصروا على طلبهم ان يشرح نفسه مباشرة بل واستدعوا السفيرة الاسرائيلية الى حديث.
رفض نتنياهو نفسه الاجابة على هذا السؤال بصوته. وعندما طلب منه في طريق العودة ان يشرح امام الكاميرات ما الذي قصده بالضبط وهل البولنديون تعاونوا في الكارثة أم لا – اجاب بان "شير (الناطقة) ستقول لكم". هذا الجواب المتملص ليس جديرا حين يدور الحديث عن موضوع بهذا القدر من الاهمية في تاريخ الشعب اليهودي، يؤلم الكثيرين في اسرائيل ممن ذبح ابناء عائلاتهم على ارض بولندا – بعضهم بمشاركة وحشية من بولنديين كثيرين. حين تستدعى السفيرة الاسرائيلية الى ما هو لا يقل عن توبيخ في موضوع مشحون تاريخيا بهذا القدر، على نتنياهو أن يتوقف عن محاولة الامساك بالحبل من طرفيه وان يوضح بجلاء وبصوته ما هو موقفه من المسألة.
ان الوعد بان يفحص فريق مشترك من المؤرخين بعمق هذا الموضوع لم يتحقق. والمحاولة للتغلب على الموضوع التاريخي بوسائل دبلوماسية مآلها الفشل. فذكرى الكارثة ليست موضوعا للقوانين وللجان. التاريخ، للشعب اليهودي والبولندي على حد سواء، يجب تركه مفتوحا لبحث حر.
في هذه الاثناء فان الازمة الدبلوماسية مع بولندا باتت اغلب الظن من خلفنا. سيكون من الافضل اذا ما شكلت على الاقل تذكيرا لقيمة التحالفات الدولية.