المال السياسي يدمر القضية الفلسطينية

باسم برهوم

لم يُلحق أي شيء ضررا بالقضية الفلسطينية بقدر ما ألحقه بها المال السياسي، فواقع الشعب الفلسطيني، باعتبار ان قسمه الأكبر مشرد وموزع على عدة دول، والجزء الآخر تحت الاحتلال، او داخل اسرائيل يعاني الاضطهاد واللامساواة، هذا الواقع سهل مهمة المال السياسي، وأن يفعل فعله، التآمري في شق الصف الفلسطيني وانقسامه.
في تجربة حماس وسيطرتها على قطاع غزة، واستمرار الانقسام وتعميقه، لعب المال السياسي دورا أساسيا في استمرار حالة الانقسام. هذه الحقيقة التي كشف عنها قبل أيام، أحد مستشاري رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو، والذي قال: اننا، أي الحكومة الاسرائيلية تستغل المال الذي يرسل الى حماس عبرها، نستغله لفصل قطاع غزة عن الضفة، وقد نجحنا في ذلك. من هنا فإن أي مال يأتي خارج القنوات الرسمية للشعب الفلسطيني، هو مال له أهداف واجندات هي بالتأكيد ليست في مصلحة الشعب الفلسطيني.
تاريخيا استخدمت انظمة عربية وغير عربية، المال السياسي لشق وحدة منظمة التحرير الفلسطينية والشعب الفلسطيني، او بهدف وضع موطئ قدم في القضية الفلسطينية، واستخدامها كورقة لتعزيز شرعية هذه الانظمة في دولها وعلى الصعيد القومي، وتعزيز دورها الاقليمي. ونذكر في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين في مرحلة صعود الثورة الفلسطينية، كيف دعمت بعض الانظمة واسست فصائل خاصة بها وتتبع اليها في الساحة الفلسطينية، وكيف دعم النظام في العراق في سنوات السبعينيات انشقاق جماعة صبري البنا "ابو نضال" عن حركة فتح، وهي مجموعة تحولت مع الزمن الى أداة تستخدمها أجهزة مخابرات عربية وغير عربية لتنفيذ سلسلة من الاغتيالات في الساحة الوطنية الفلسطينية، او القيام بعمليات ارهابية في العالم خدمة لها الجهاز او ذاك.
كما لا يفوتنا دعم النظامين العراقي والليبي لجبهة الرفض، وبالفترة ذاتها وهي الجبهة التي مثلت حالة انشقاق في منظمة التحرير. اما بعد حرب 1982 واجتياح اسرائيل للبنان، فلا زلنا نذكر الانشقاق الكبير في فتح والمنظمة الذي دعمه وسانده بالمال والسلاح النظامين السوري والليبي، وهو الانشقاق الذي كان من نتيجته ابعاد قوات الثورة الفلسطينية نهائيا عن دول الطوق.
في تلك المرحلة وبالرغم مما فعله المال السياسي من دمار في الثورة الفلسطينية وللقضية الفلسطينية، الا انه كان بالغالب يتم في اطار تنافس الانظمة العربية، التي كانت تقدم نفسها انها انظمة قومية فهي كانت تتنافس على الامساك بالورقة الفلسطينية واستخدامها في الصراعات الثنائية، او من أجل اثبات انها الاكثر قومية في الساحة العربية.
 أما في المرحلة الراهنة، فيأخذ المال السياسي وكيفية استخدامه وأهدافه بعدا اكثر خطورة، بل يصل استخدامه المريب الى درجة انه يأتي في سياق مخططات لتصفية القضية الفلسطينية. فالمال السياسي الذي يصل بعض الفلسطينيين توظفه اسرائيل لخدمتها وخدمة اصحابه تاليا بالرضى الاسرائيلي – الأميركي عنهم وعن انظمتهم.
السؤال هنا: لماذا يتجاوب بعض الفلسطينيين مع اغراء المال السياسي رغم معرفتهم التامة بأهدافه المريبة، وبالرغم أنه اصبح في الأشهر الاخيرة يصلهم عبر الحكومة الإسرائيلية واجهزتها الامنية؟ والسؤال لهؤلاء والمقصود هنا بالتحديد حماس، هل تقوم اسرائيل بكل ذلك خدمة للمصالح الفلسطينية ام لمصالحها ومخططها لتصفية القضية الفلسطينية؟
الحقيقة المؤلمة، ان حماس التي تتبع الجماعة الاخوانية الذين كانوا تاريخيا الاداة المفضلة لدى المخابرات المركزية الاميركية في قمع التطلعات التحررية للشعوب العربية والاسلامية وبالتحديد التطلعات الوحدوية للأمة العربية، حماس هذه لماذا نستغرب قبولها وتنسيقها ومد يدها للعدو الصهيوني اذا كان في ذلك خدمة للمشروع الإخواني وبقاء الجماعة ودورها، وبقائها الاداة المعتمدة من قبل الولايات المتحدة والصهيونية العالمية .
لقد مدت القيادة الفلسطينية يدها مرارا، بل طوال الوقت لحماس من اجل انهاء الانقسام ومنع أي محاولة لفصل قطاع غزة عن الضفة، الا ان حماس اختارت وفي كل مرة ان تمد يدها لأعداء الشعب الفلسطيني او لاغراء المال السياسي وتقوم في الوقت نفسه في زرع الوهم في وعي الناس بأنها حركة مقاومة، هل هناك مقاومة تأخذ رواتب عناصرها من العدو أو عبره؟
لقد كلف المال السياسي تاريخيا وراهنا الشعب الفلسطيني وقضيته الكثير، فقد كلفنا دما وجهدا وكلفنا زمنا كان من المفترض ان يكرس للصراع الاساسي مع العدو الاساسي اسرائيل والصهيونية، بدل ان نستغرقه في انشقاقاتنا الداخلية المدعومة بهذا المال السياسي.