تحليل ونقد رواية الهدهد لياسر المصري

د. روحي ثروت زيادة

قال تعالى: "وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين، لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه، أو ليأتيني بسلطان مبين، فمكث غير بعيد، فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين" صدق الله العظيم
فهدهد سليمان لم يكن من عامة الهداهد، بل كان هدهداً خاصاً بدليل تعريفه بأل التعريف، والهدهد يرى الماء من بعد ويحس به، والهدهد من بره لأمه انه دفنها حين ماتت وجعل قبرها على قنزعة رأسه. والعرب يضربون المثل في قوة ابصار الهدهد فيقولون أبصر من هدهد. وكذلك راوينا ياسر العارف بدقائق الأمور.
والهدهد الايجابي يشاهد في اثناء طيرانه ما لا يبصر غيره، ويخبر بما رأى إذن اختيارك ياسر للهدهد هو عنواناً لروايتك ركز أحداث الرواية على موقف المثقفين العارفين، وموقفهم من كل ما يدور حولهم من احداث، والهدهد يجيد في خطابه المهارات الابداعية من ايجاز فلا يميل الى الثرثرة ويراعي ظرف المخاطب ومنزلته ومكانته، ويجذب استماع المخاطب حتى يتمكن من ايصال رسالته كذلك المثقف يلمح بالحل ولا يأمر به، فطبيعة النفس الانسانية تنفر من الاوامر لهذا يلجأ المثقف (الهدهد) الى أسلوب العرض والاقتراح.
"وجئتك من سبأ بنبأ" والنبأ هو الخبر الذي له شأن عظيم والمؤكد بأدلة التوكيد.
الهدهد وانكار المنكر، فحين ينكر المثقف ما يرى من تصرفات واحداث يظهر ذلك ويبوح به، يحاول وضع حد لما يجري.
والهدهد المثقف دقيق ويحيط بما لا يحيط به الآخرون، ويحيط بالشيء من جميع جوانبه، وفي هذا من الدقة والضبط ما لا يخفى، فلم ينظر ياسر للقضية من زاوية واحدة، ولم يطرح وجهة نظر واحدة، ولم يلجأ الى ظاهرة التأتيم والتفسيق، ولم يستثن أحداً من المسؤولية.
الهدهد المثقف في هذه الرواية يحترم القيادة ويقدرها، فيعرض القضية للقائد دون أن يدلي فيها برأي الا بالتعريض والتلميح.
متابعة صدى المواقف والأقوال: ومتابعة ردة الفعل، وبناء على ذلك يكتمل الأمر ويكون التصرف في المرحلة القادمة.
هذا ما أوحت به رمزية العنوان الهدهد.
والروائي ياسر المصري في هذه الرواية يمتلك طاقة تعبيرية هائجة متعجلة ومقتدرة على الرؤية، وروايته هذه تحمل في بواطنها محفزات ناتجة عن اليقظة والحذر والمواجهة، غارقة بالحنين والشعور بالغربة وفيها انصهار المجتمع والانسان والنفس والتاريخ والجغرافيا واللغة في بوتقة الايحاء والذاكرة.
وعناصر الرواية الحديثة من الشخوص أو الأشخاص، والزمان والمكان والحدث والحبكة والعقدة والحل، متفاوتة في انعكاساتها وتجاوز لما تحمله تلك الشخصية فالديك على الرغم من دلالته على الذكورية الا انه يحمل معاني البشر والتبشير بفجر جديد، ومستقبل مشرق، غير انه هنا خرج عن هذه الدلالات ليضعه الراوي موضع الضعف والتشاؤم، ولعل ذلك ليس قصوراً من الراوي بقدر ما هو فانتازيا وخروج عن المألوف، ليتماهى مع الوضع المتردي والتخبط الذي ينتاب أبناء هذا الشعب العظيم وتوالي النكبات والتآمر عليه من كل من هم وصاة على هذا الشعب ومقدراته.
ولجأ الراوي هنا ايضاً الى اختزال الزمان والمكان وعدم المكوث فيه اكثر من مشاهد قصيرة، على الرغم من انه مسكون بالمكان مولع به أما الحوار بقسميه الخارجي والداخلي (ما نسميه المنولوج أو صدى النفس فعلى الرغم من محاولة ياسر استثمار هذه الحوارات لتوضيح وجهة نظره الا انه نجح في حديث النفس (المنولوج) وأخفق في الحوار الخارجي خاصة ما دار بين الجنديين في مدينة جنين فجاء الحوار على بساطته كنشرة أخبار.
ولكن ما يسجل لصالح الراوي في هذا المجال هو عدم انحيازه لوجهة نظر دون الأخرى، فقد اطلق لكل المتحاورين كي يعبروا عن خلجات نفوسهم بحرية مطلقة، فكسر جدار الصمت والسلبية، مع انه في بعض الاحيان كان يلجأ الى التدخل لتبرير المواقف المختلفة، مما يخرجه عن نطاق الحيادية.
وأما السرد الروائي في هذه الرواية تارة كان يصدر من الداخل وتارة يصدر من الخارج من خلال نطاق الشخصيات، ونلاحظ ذلك الانعطاف الحاد عند الانتقال من السرد الى الحوار، مما يشعر القارئ بتلك المطبات المزعجة في الرواية.
اللغة في السرد والحوار مباشرة في بعض المحطات، ورمزية في محطات أخرى، تفتقر الى الايحائية في مواضع، وصريحة مباشرة في مواضع أخرى.
ومن اجمل ما ورد في الراوية من الايحائية والرمزية، تلك الاشارة الى ملحمة أمهات الكنعانية حين أشار الى بعل (محاولته من التأصيل لهذا الشعب العظيم وأحقيته في امتلاك أرضه).
أما الحبكة، فجاءت في المنحنى الطبيعي للرواية، حيث تنامت الاحداث، واختلفت العلاقات ومحاور القوى، وانقلب الصديق عدواً والعدو صديقاً، ودار ما دار ومن احداث أسست وأرهصت للحبكة والعقدة ولم تشي بالحل، لكنه على طريقة الفانتازيا انعطف الى الحل انعطافاً حاداً أدخل القارئ في إرباك، فلم يرهص لتلك النتيجة والحلول المفتوحة، تاركاً مساحة واسعة لخيال القارئ.
سيما وهو العارف لمدى صعوبة الوصول الى العودة كجسم واحد يعاني هماً واحداً، تحكمه ظروف واحدة.
ومن اجمل ما في الرواية هو جعل الديك يتحدث بصيغتين، وكأنه في الاولى يذيع نشرة اخبار في تلفزيون فلسطين، وفي الثانية في تلفزيون الاقصى.
ولغة النشرة مع الديك منذ البداية حتى النهاية اشارة الى قمع الحريات الذي تمارسه كلتا السلطتين للانسان المستقل.
ومن جميل الاسلوب ذلك المزج بين السرد والحوار واللغة الشعرية الشاعرية لكن ازدحام اسماء الطيور والحوارات الخارجية بينها، ودخول السرد والحوار في استطراد فيه ايحاء للواقع المر والتخبط الذي آلت اليه جميع فئات الشعب فلم يسلم منهم أحد والكل تأثر جراء كل ما حدث ويحدث. وهذا ذكاء واضح من الراوي في استخدام ما يناسب هذا الواقع من لغة واستطراد، وايحاء، وحوار.
وعلى الرغم من الاختيارات المعجمية والبيانية المعبرة عن قيم وطنية وانسانية لدى ياسر المصري الا انه يلجأ أحياناً الى الوصف التقريري أحياناً في أثناء السرد والحوار معاً، ويخرج على اطار تفكير شخوصه الى تفكيره الخاص، وفي الحالتين كان ناجحاً مقنعاً.
رغم اكتظاظ الرواية بالايحاءات والرموز الا انها تكون عفوية خاصة في تراكم الحوار، وكثرة ومضات التنوير ووصف الأمكنة والشخوص.
هذه الرواية البكر لياسر المصري فيها نكهة غير معهودة، وفيها ابداع متميز انعكس في السرد والمستوى الفني والتصوير والحركة واللون، حيث قدم شخصياته بشكل جعلها تتحرك أمام القارئ، بصورة HD بدرجة عالية من الوضوح، فيها حياة نابضة بكل معاني الحياة السياسية والاجتماعية.
وصف ياسر المصري الواقع الفلسطيني والعربي بعمق فلسفي ومنطق واضح ولغة أدبية جميلة بريشة الفنان المبدع الذي يلتقط الأحداث بعين الصقر، ومعرفة الهدهد، وبساطة الديك.
لجأ ياسر المصري في هذه الرواية الى السرد التاريخي للأحداث وفضل النهاية المفتوحة، وأخفى الحلول ليضع كل انسان الحل الذي يراه مناسباً لوضعه المتأزم.
اختفاء الراوي والسارد في كثير من المحطات، ولجوؤه الى التفتيت تارة والتجميع تارة أخرى، والحكاية تارة والحوار تارة أخرى رغم حداثته يشي بميلاد أديب جديد نطاسي حاذق هو ياسر المصري.
وأخيراً فإن النقد الانطباعي يبعد الناقد عن الموضوعية، وهنا يمكنني الادعاء وبقوة بأنني لم أتعرف على ياسر المصري الا قبل نصف ساعة من الآن ولم ألتقه وأشاهد محياه الجميل من قبل، فلعلني لم أجامل ولم تسيطر عليّ الانطباعية، فنقدت روايته بتجرد وموضوعية دون التأثر بالعلاقة الشخصية.