سؤال عالماشي - التربية والتعليم تكسر الجليد

موفق مطر

قال لي: "انت شو بيفهمك" عندما قدرت وجوب مساعدته في حل مسألة حسابية!!..انه ابني ضياء قبل حوالي عشرين عاما عندما كان في السنة الثالثة ابتدائي كما اذكر، ويتعلم في مدرسة ابتدائية في تونس.

ما زالت توجيهات مديرة المدرسة لنا في اجتماع أولياء التلاميذ وقولها: "لاتتدخلوا ولا تثقلوا على ابنائكم وترهقوهم في الدراسة في المنزل، فالمعلمون هيئة يقومون بواجباتهم في الحصص الدراسية في المدرسة كما ينبغي".

ابتداءً من الفصل الدراسي الثاني المقبل ستلغى (الواجبات الدراسية البيتية) لطلبة المرحلة الأساسية الدنيا أي من الصف الأول حتى الرابع ابتدائي وتقليلها لصفوف المرحلة الأساسية العليا من الصف الخامس ابتدائي وحتى الثالث الاعدادي، والتركيز على الاهتمام بملف الإنجاز للمرحلة الثانوية لصفوف الأول والثاني والثالث ثانوي، والعمل على تشجيع التعلم بالمشاريع.

القرار الصادر عن وزارة التربية والتعليم العالي في فلسطين امس الأول، نقلة نوعية على درب تثوير منهج التربية والتعليم في فلسطين، وقد قصدنا وضع حرف الثاء مكان حرف الطاء في كلمة تثوير، لاعتقادنا ان النهضة التي نأمل رؤية مفاعيلها مجسمة على أرض الواقع في دولة فلسطين تبدأ فعليا في تثوير التعليم أي التغيير الجذري لمنهج التعليم والتربية برؤية عقلانية تعتمد سياسة وخطط المراحل!.

سيترك قرار الوزارة لأبنائنا الصغار فرصة أكبر للتفاعل مع محيطهم الاجتماعي، وهذا ما يدفعنا للاعتقاد ان القرار قد وفر للعائلة ورأسيها الأب والأم فرصة اعظم للمساهمة في تنمية مقومات الشخصية لدى ابنائهم وتحديدا في مرحلة تكون فيها قدرة الطفل على الاكتساب والتأثر والتفاعل عالية، ما يعني تكامل المدرسة مع العائلة في تنمية شخصية التلميذ عبر دمجه في نشاطات اجتماعية وثقافية ورياضية وعلمية.. وهذا يستدعي حسب تقديرنا بحث آليات للتواصل بين الهيئات التدريسية في المدارس مع أولياء امور التلاميذ في المراحل المستهدفة، يضمن تكامل النشاطات المدرسية مع النشاطات خارجها التي ستكون تحت اشراف أولياء الأمور، بما يكفل احترام توجهات الطفل (التلميذ) وتعزيز ثقته بنفسه وخياراته.

ان عوامل وأسباب نجاح أو فشل أو توقف عملية تطوير مؤسسات الدولة وتثوير مناهجها مرتبطة بمدى رؤية المسؤول رقم واحد للمستقبل وعمقها، أو بحجم معرفته وثقافته في التخصص، وكذلك بمستوى الالمام بالمهمة والشجاعة في تحمل المسؤولية عن التغيير، وبحجم مشاركة المعنيين والمسؤولين على تنوع مهامهم ومراتبهم في الانخراط في منهج العمل المؤسساتي الجمعي، القائم على تجلي الابداعات الفردية، وتجسيمها مجتمعة في بنية المؤسسة، لكم من قال إن عامل الشباب ليس واردا في القائمة؟! خاصة ان كان (المسؤول الأول) مؤمنا بالتجديد ويمتلك خبرة في صناعة الأمل، ويتمتع بحكمة وذكاء تمكنه من خلق الانسجام ما بين الأفكار الابداعية ومواءمتها مع الواقع لتيسير عملية الانتقال بسلاسة، ولكن ليس على حساب مواكبة صور التطور والتقدم في دول العالم".

فهمنا للتجديد مطابق إلى حد كبير مع فهم الدكتور صبري صيدم وزير التربية والتعليم العالي، فهو القائل بضرورة "التشاركية في اتخاذ القرار" و "كسر قوالب التقليد" وازاحتها من "درب مسيرة التطوير التربوي الشاملة".

جاءت الواجبات المدرسية في المنزل في أدنى درجة من قائمة (افضل الطرق التعليمية) حسب بحث اجراه جون هاتي أستاذ التربية النيوزيلندي على 50 ألف دراسة شملت حوالي 80 مليون تلميذ في العالم.. حسب ما نشرته صحيفة (دي فيلت) الألمانية، لكن البحث استخلص ان العلاقة الجيدة بين الأستاذ والتلميذ، وتقنيات تعليمية منها القراءة المتكررة كانت من أهم افضل الطرق التعليمية.

رأينا تقارير تلفزيونية عن التعليم في مدارس ببلدان متقدمة، ارتكزت على مبدأ التعليم باللعب، وتحديدا للفئات العمرية التي تحدثت عنها وزارتنا، فالطفل يميل للمرح واللعب والحيوية واكتساب المعرفة وهو في ذروة نشاطه وسعادته.

سنحتاج الى معلمين جدد ليس كموظفين وإنما من حيث العقلية والايمان برسالة التعليم باعتبارها الشرط الأساس الذي لا بد منه للتحرر والتطور والنمو والتقدم.

سنحتاج إلى تقنيات ووسائل وتكنولوجيا تعليم، وهذا يتطلب إعطاء التربية والتعليم موازنة بحجم رسالتها وأهدافها، فالفلسطيني يقدم تعليم أولاده على صحته وأمنه ورفاهيته، وان كنا ندرك جيدا ان تأثير التعليم سيبقى دون المستوى المأمول بغياب الأمن وضعف الصحة البدنية والنفسية، وعليه فإن التوازن والتوازي في هذه المسارات مهمة وطنية شاملة.

نحتاج لمسؤولين في موقع القرار يملكون الكفاءة والحكمة والقدرة والذكاء والشجاعة لتنفيذ واجباتهم الوطنية في مؤسساتهم، وإن اقتضى الأمر استكمالها في منازلهم ايضا، يتشاركون بعقول منفتحة مع الآخرين في مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني المسؤولة والأمينة في عملية كسر جليد التقليد وفتح أوسع السبل والطرقات التي توصل الجماهيرالى الحرية والاستقلال، وفتح طرق وسبل التحرر المؤدية الى النمو والتقدم والازدهار.