شاهد عيان: القدس حين تروي

رئيس التحرير: محمود ابو الهيجاء

من ساحة باب العامود التي بات اسمها ساحة الشهداء بعد هبة القدس الأخيرة، تصل إلى درج حجري  يهبط  لا إلى الباب الذي يعد أحد أجمل أبواب القدس وأكثرها حيوية، وإنما  يهبط إلى التاريخ الذي يربض هنا على هيئة قلعة بأسوار تحيط البلدة القديمة، وبالمدخل الذي يقود إلى باحات الصلاة في المسجد الأقصى، ومسجد قبة الصخرة، وكنيسة القيامة، وحائط البراق، جنود الاحتلال الاسرائيلي هنا اغلبهم من الفلاشا الذين يقولون انهم عبرانيون (...!!) راجفون في منصات مراقبة، وبعضهم قرب الباب احيانا، يدققون في هويات يخافونها حين لا ينظرون في عيون أصحابها من أبناء المدينة، حولهم جلبة عربية خالصة، أصوات الفلاحات بائعات الخضرة في سلات من خصف النخيل، وصبية يتغامزون على جنود الاحتلال ويتضاحكون عليهم، والجنود لا يفقهون شيئا من كل ذلك ما يجعلهم اكثر تشبثا ببنادقهم الآلية ..!!

ما ان تدلف إلى داخل السور حتى تهيم برائحة الأسواق القديمة، فتمضي مأخوذا كَمُسرْنَمٍ من سوق باب خان الزيت، إلى سوق العطارين، ثم اللحامين، والقطانين، والصاغة، وسوق الحصر، ومن هنا تذهب يسارا إلى حي النصارى، ويمينا إلى الحي الاسلامي، فترى القدس على حقيقتها مدينة التعايش الأخوي بين أبنائها مسلمين ومسيحيين، فلا تطرف ولا طائفية تبيح الذبح والإقصاء، كما بات في بعض الحواضر العربية ..!!

هنا وأنت تمضي نحو باحات الصلاة، في شوارع ضيقة من بلاط  يكاد يضيء بخطوات مشاته، هنا اذا ما ارخيت السمع، ستحلق في فضاء الرواية التاريخية للمدينة المقدسة، ترويها روائح المكان وحجارته، خاصة وأنت تمضي في طريق الآلام، خاصة أيضا حين تهبط إلى منور الصخرة المشرفة، التي ستبادر إلى مخاطبتك ببلاغة عطرها، وفصاحة حقيقتها، فترى معجزة المعراج ماثلة في الغاية والتقوى، وعند حائط البراق، سترى تلك الدابة السماوية تحوم في المكان بأجنحة الكلام المقدس، كلما ارتفع الاذان من مآذن الأقصى، ومسجد قبة الصخرة، وكلما دقت أجراس كنيسة القيامة.

وكلما ارتفع الاذان ودقت أجراس الكنيسة، كلما قالت القدس حضورها الفلسطيني العربي المؤمن، الحضور الذي يتجرح كل يوم بغطرسة الاحتلال وتوحش سياساته العنصرية القبيحة، والتي حاولت قبل قليل تحجيم الصلاة ببوابات إلكترونية، فأسقطها المقدسيون بصلاة جامعة، مسلمين ومسيحيين، استلوا حراب الاحتلال من خواصرهم، ووقفوا وقفة أمة واحدة، حتى لملم الاحتلال بواباته، وذهب بها إلى مخازنه كأسلحة فاسدة ..!!!

لا شيء في القدس سوى القدس بأهلها وأسوارها وباحات الصلاة فيها، وجنود الفلاشا وسواهم من المحتلين الصهاينة الذين لم يعبروا فراتا في تاريخهم، وقد جاءوا من خلف الأطلسي، ليسوا اكثر من مشهد طارئ، تنازله القدس في كل لحظة بقوة تاريخها، وفصاحة لسانها العربي، وقداسة مكانتها السماوية، وبثبات أبنائها حراسا لهذه المكانة، وفرسانا لأجل خلاصها من ظلم الاحتلال وظلامه وحتى تعود عاصمة للسلام والعدل والحق والجمال.

لا رواية في القدس غير روايتها  محصنة بقداسة الرحلة السماوية لرسول المحبة محمد صلى الله عليه وسلم، ومعطرة بدم الشهداء البررة، وما زال تاج الشوك يكلل رؤوس حراسها الفلسطينيين، تماما كمثل فاديها الأول عيسى المسيح عليه السلام حين خاض طريق الآلام.