فوضى عارمة وانكشافات في المشهد الإسرائيلي

علامات على الطريق .. يحيى رباح

بعد مماطلات وتفلتات كثيرة في العام الماضي، التي دارت جميعها حول موضوع الانتخابات المبكرة في إسرائيل، هل يجب الذهاب الى تلك الانتخابات ام لا، قرر نتنياهو اللاعب الرئيسي وخلافا لكل أقواله ان يحل الكنيست وان تذهب إسرائيل الى الانتخابات المبكرة في التاسع من شهر نيسان ابريل القادم..
من المعروف انه قبيل كل انتخابات الكنيست الإسرائيلي، يتكرر هذا المشهد في إسرائيل، تجمعات حزبية تتفكك، وأحزاب او تكتلات حزبية جديدة تنشأ على خلفية الانتخابات، طمعا في الحصول على أصوات اكثر سواء للجهات الحزبية الكبيرة التي تطمح الى تشكيل الحكومة، او الأحزاب والتجمعات الحزبية الصغيرة التي ينحصر هدفها في البقاء مجرد البقاء..
هذه المرة، في 2019، المشهد في إسرائيل اكثر ارتباكا واكثر انكشافا، لماذا؟ لان العام الماضي انقضى في جو من العواصف، اول هذه العواصف، هو عدد مرات استدعاء نتنياهو للتحقيق من قبل الشرطة الإسرائيلية والتي استدعت زوجته اكثر مرة، واستدعت احد أبنائه، ورغم ان الشرطة تعرضت للتخويف وللتنكيل من قبل نتنياهو وفريقه، فانها واصلت عملها، وبلورت قي النهاية ما يمكن ان يوصف بوثيقة اتهام متكاملة عن فساد نتنياهو وزوجته، وهو الامر الذي رد عليه نتنياهو بنوع من الاستفزاز رافضا الاستقالة حتى لو قدمت ضده لائحة اتهام قضائية.
اعتقد ان هذا الرد العصبي من نتنياهو ليس موجها الى أحزاب المعارضة التي كانت اول من أصابه التفكك مثل المركز الصهيوني الذي كان يضم افي غباي على رأس بقايا حزب العمل، وتسيفي ليفني على رأس حزب الحركة الذي ينتمي للوسط، بل موجه بالدرجة الاولى الى حزب الليكود الذي اشيع في الأشهر السابقة انه يفكر في الخلاص من نتنياهو الذي اصبح يشكل عبئا، وبالتالي فان نتنياهو له الحلف الأقوى وهم المستوطنون وزعماء جماعات الإرهاب اليهودي، وكثير من المتنقلين من هنا وهناك، الذين كان نتنياهو اكبر حليف لهم، واعطاهم بغير حساب في سنواته السابقة، والاعدامات الميدانية التي كانوا ينفذونها بينما هو يخرج متظاهرا مع المتظاهرين ضد الاحكام القضائية البسيطة التي تصدر بحقهم مثل الجندي ازاريا الذي قتل البطل عبد الفتاح الشريف وهو مصاب وملقى على الأرض ولا يشكل خطرا على احد.
لكن حالة الاضطراب والانكشاف لها بعد اخر، هذا البعد يتعلق بالخوف من العلاقة الجارفة مع ترامب، فهى علاقة غير مطمئنة بالنسبة للكثير من الاسرائيليين، فترامب عجز حتى الان من اعلان صفقة القرن، نتنياهو حصل على ما يريد في اعلان القدس الأميركي دون ان يدفع شيئا، وقد ينقلب ترامب ضد كل الصغار والكبار الذين ايدوه دون منطق، وبالتالي اصبح التحالف معه يحتاج الى حسابات أدق، والمثال الصارخ على ذلك، قرار اميركا بالانسحاب من سوريا، فكل الذين كانوا يقفون وراء ترامب اصبحوا مكشوفين تماما، يستوي في ذلك بعض العرب، والاسرائيلون بقيادة نتنياهو، حتى ان نتنياهو ذهب الى انفاق وهمية في لبنان ليختفي وراء ضجيجها من انكشافه في سوريا، بل ان التحالف مع بعض العرب الذي كان يراهن عليه نتنياهو لم يتحقق، وتحول الى عودة عربية الى سوريا، نرجو لها ان تتسع لتشمل الجميع.
بالمقابل، فان هذا هذا التفكك والانكشاف في حركة النخب الإسرائيلية، يقابله في الساحة الفلسطينية نهوض عارم في حالة الوطنية الفلسطينية، بصفتها مصدر ابداع لكل شي فهي التي انتجت الفصائل وقادرة في كل لحظة على انتاج غيرها، وخصوصا تلك الأشلاء التي فقدت كل قدرة ممكنة، وتحولت الى مجرد اجسام تريد فقط ان تبقى على قيد الحياة، هذه الاجسام تعلو فوقها الوطنية الفلسطينية والشرعية الفلسطينية فاما ان تتجدد في مسارات جديدة واما ان تكون عبئا على الحياة.