مدرسة في قلب لاجئة

مخيم قلنديا- الحياة الجديدة- رامي زقـوت- تتشابه القصص والحكايات بعمومها، وتختلف في تفاصيلها، ولأن التاريخ لا يعيد نفسه، وما يحدث إنما هو تكرار للأحداث، فإن روح حكايتنا لها جذر في التاريخ؛ إذ لا فرق بين المهاجرين واللاجئين، والأنصار والمواطنين.

سبعون عاما، وما زالت الحاجة لطفية أحمد عثمان عبد الرحمن تتوق للحديث عن قرية بير الماعين قضاء الرملة، وتسرد الأحداث، كمسلسل غني بالمفاجآت والتشويق حتى آخر دقيقة... آخر لحظة.

بدت التجاعيد التي خلفتها صروف الزمان على وجهها، بعد أن أذاقتها النكبة حسرة البعد عن الأرض والبيت ومسرح الطفولة الذي لا يزال عالقا في وجدانها، وترسم لوحة محكمة عن مأساة بنات جيلها أيام الصبا.

رحل معظمهم لكن القدر وكعادته ربما تركهم ليرووا لنا التفاصيل والأطماع والانتهاكات والحرمان.

تحمل "اللطيفة" على كاهلها حجارة تسعين عاما، قضت 70 منها لاجئة ببطاقة تغير لونها وبقي مضمونها ثابتا، عليها شعار الأمم المتحدة، كغيرها ممن ينتظرون العودة إلى أوطانهم، ولا يزال الأمل يحدوهم بالعودة.

ورحلتها تمتد من بيت وسط سهل فيه القمح والخضراوات، لتنتهي في بيت صغير من "الزينكو" في مخيم قلنديا القريب من القدس المحتلة.

لا مطبخ ولا غرفة للأطفال، والحمام وحدات صحية أقيمت على الأطراف البعيدة، من يحتاج استخدامها لا بد من عناء المشي لمسافة، هذه الكلمات مرآة حقيقية لحياة ما بعد اللجوء وعنها تقول: "كانت ظروفنا صعبة، ولم تجد بعض العائلات الفراش لأبنائها".

وعدت الحاجة لطفية، بالعودة إلى قريتها بعد يومين أو ثلاثة على أكثر تقدير، وقيل لها ستعودون إلى بيوتكم. وبصوت فيه حرقة وحسرة وحشرجة تردد "مضى أكثر من سبعين عاما... راحت البلاد".

 

الأنصار والمهاجرون

انتقلت الحاجة لطفية وعائلتها الصغيرة من بير الماعين وحطت أقدامها في جبل جيروت القريب من بيتونيا، ومع انقضاء فصل الصيف انتقلت العائلة إلى بلدة صفا.

وهناك تصرف دار أبو حسنا كما لو كانوا الأنصار في استقبال المهاجرين! فاقترحوا على زوجها أحمد محمود عبد الرحمن استثمار ساحة بجانب بيتهم وسقفها بدل أن يبقى  يدفع "إجارات"، تضيف الحاجة المكلومة بجرح اللجوء.

 

الضرة ليست "مرة"!

بعد اللجوء بعامين توفي الزوج أحمد الذي أنجبت منه لمياء ومفيدة؛ إذ لم تجد له علاجا في المحيط. وتسترسل: "أخذته إلى الحكمة، وكان طابور المرضى طويلا" فقال لي: "أعيديني إلى البيت، لم أعد أتحمل".

وتضيف: "بقي على حاله إلى أن توفاه الله، وتقول: "تقدم لي الحاج راغب مطير؛ وكان يكبرني بنحو 27 عاما وهو ابن عم زوجي، فوافقت، لكن عم لمياء ومفيدة رفض إبقاءهما معي، وقال: "أنا أحق ببنات أخي".

وعن ضرتها تقول الحاجة لطفية: "كانت محترمة، وكانت تعرف أن الحاج سيتزوج عاجلا أم آجلا، وقالت لي ذات يوم: أنت أفضل من غيرك".

 

ذاكرة لا تخون

ومع مرور السنوات، لم يعد يحمل ذكريات "بير الماعين" سوى قليلين، والحاجة لطفية أحدهم، وكانت تكرر دائما حمدها لله وشكره، وتقول: "حافظنا على كرامتنا بين الناس"، تعيش في شبه عزلة مع ذكريات الوطن المفقود.

وتتحدث عن علاقتها بالأرض الجديدة: "أنا حميت هذه المنطقة التي نعيش الآن عليها، فكان زوجي يعمل في الكسارات القريبة من الرام ويذهب باكرا ويعود في المساء ولا يعرف ما الذي يحدث، وعندما عاد من عمله وجدني في المكان فبدأ رفع الخيام.

وبحسرة تقول: بدأنا نبني سقيفة من الطين والحجارة وسيقان الأشجار، عندها أدركت أننا لن نعود قريبا، ورحلتنا ستطول، حالنا حال كل أهل المخيم".

وتتابع: كان مقر لجنة الأمم المتحدة قريبا من المدخل الحالي للمخيم، ووصل لمسامعنا أنهم بدأوا بتوزيع "الزينكو والإسبست"، وكنا قد أنهينا بناء السقيفة، فجاءوا وسقفوا البيت بـ "الإسبست" ووضعوا الدعائم والبراغي... والله تريحنا فيها"!

حين دار الحديث عن أملاك عائلتها والبيوت التي شيدوها بعيدا عن قريتهم الأم، ومصيرها إذا عادوا ترد الحاجة لطفية ومعالم الفرح ترتسم على وجهها: "إذا توفر الأمن سنعود، أما إذا بقي الحال على ما هو فالأمر صعب يا بني".

صمتت قليلا واستدركت: "شوف يا بني، فش أغلى من بلدك، واحنا مقهورين، وكل المال لا يغني عن ذرة تراب في بير الماعين، ولو يصحلي برجع عليها حَبي".

من نكبة إلى أخرى، تعيش الحاجة لطفية نكبة جديدة عنوانها جدار الفصل العنصري. وبحركة لا إرادية، تضع كفها على قلبها وتقول: "مصيبتنا كبيرة"! وتتابع: "إذا أراد الشخص أن يزور قريبه يحتاج تصريحا ودائما التصريح مرفوض".

 

الزقليحة والحجلة

الحاجة لطفية التي ألزمتها سني عمرها التسعون الهدوء والوقار، تضع رجلها اليمنى على اليسرى وتستذكر شقاوة طفولتها في بير الماعين.

تروي دائما لأبنائها وأحفادها الذين يطربون لسماع قصصها، حتى لو كانت مكررة.

تحدث الأطفال عن الألعاب التي كانوا يلعبونها، وتذكر للشباب بحديثها عن أبنائها، الذين قضى بعضهم عمره غريبا، وبعضهم الآخر لا يعرف شيئًا عن بلد أجداده. 

وعن الألعاب تقول: "كنت ألعب وبنات الجيران الحجلة، وكنا نغني: "زقليحة زقليحة يا جوز المنيحة". 

 

بنت البستنجي

بعد كل سؤال يوجهه لها أحد أحفادها، يذكرها بحياتها قبل اللجوء تبتسم الحاجة لطفية  وتستفيض في الشرح عن حياة والدها "البستنجي" في أرضه، حتى تصل إلى حياة اللجوء التي تعني لها "فقدان البساتين" والعمل في بساتين قرية بيتين القريبة من مدينة البيرة.

عمل والدها في البساتين بعد النكبة، وتشرح لهم بالتفصيل شكل الحياة وطبيعتها وحب الأرض، كأنهم طلبة في مدرسة ابتدائية، يحرصون على سماع المعلومات استعدادًا لامتحان.

وعن طبيعة أسئلة الأحفاد تقول: "معظم الأسئلة حول الألعاب والفلاحة"، فتشرح لهم لعبة "الحجلة"؛ التي يتقابل فيها فريقان يتنافسان على تحريك حجر صغير مربع بالأرجل داخل مربعات مرسومة على الأرض، وهي لعبة ما زالت الفتيات تمارسها اليوم.

 

تغير كل شيء... بقيت الذاكرة

"ما زلتُ لاجئة" تقولها الحاجة لطفية بمرارة. ولعلها من القلائل الذين عايشوا النكبة عندما حلت أول مرة، وتتذكر فصولها، وتسترجع أحداثها.

تتذكر كرم الأفندي الذي استأجره رجال عائلتها بـ "11 ليرة" من مالكه الذي لا يعتني به، بعد أن أشار عليهم صاحب الكرم الذي حطوا فيه عند عين ماء جريوت"، لأن موسم قطاف الزيتون قد حل ولم يعد بالإمكان البقاء تحت "الزيتونات".

عند سؤالها عن زيارتها "للبلد" بعد النكبة تقول: "لا لم أزرها"، وهنا تتدخل كنتها أم نائل، وتقول: "لا زرتيها يا عمتي، مع ولاد بنتك لمياء"، فتصر الحاجة على رأيها وتقول: "اللي زرتها كلها عمارات وما اعرفت احنا وين كنا عايشين، وتغير كل شيء".

تقضي الحاجة لطفية يومها في بيتها المستقل وسط بيوت أبنائها وأقاربها، وما إن يحل الظلام تأتي إلى بيت أبو نائل.

وعن طريقة تعامل كنتها اكتفت بوصفها "عسلة"، وهنا تتدخل أم نائل: "نحن متعلقون بالحجة، وهي خفيفة الظل، ونتمنى أن يحفظها الله لتبقى بيننا بصحة وسلامة".

----------

*هذه المادة تنشر ضمن مساق تدريبي في ماجستير العلاقات العامة المعاصرة في الجامعة العربية الأمريكية.