أبو صالح..إسكافي لم يفقد ظله

رام الله - حياة وسوق-  أمجد التميمي - في مشغله المتواضع الذي لا تتجاوز مساحته الأمتار المربعة الخمسة عشر، وسط مدينة رام الله، يقف المواطن الستيني أبو صالح، معتمراً قبعة من الصوف باللونين الأسود والأبيض، متابعا تلبية حاجات زبائنه بتفان وحب وابتسامة.

يشكل مشغل ابراهيم محمد عيد قنديل "أبو صالح"، لإصلاح الأحذية (اسكافي)، معلماً من معالم رام الله، التي تشهد اكتظاظاً سكانياً متزايداً منذ سنوات بحكم تحولها من مدينة اتسمت بالهدوء والسكينة تاريخياً، إلى عاصمة سياسية مؤقتة، وتمركز الوزارات والمؤسسات الحكومية فيها.

ويشهد مشغل الاسكافي أبو صالح، الذي أنشئ قبل نحو خمسين عاماً إقبالاً كبيراً من لدن الزبائن، على الرغم من صغر مساحته، التي لم تتح المجال لهذا الرجل طيب المعشر أن يستضيفنا داخل محله لإجراء لقاء سريع معه، ما اضطره إلى استضافتنا لدى مخيطة جاره الواقعة على الطرف المقابل لمحله في الشارع المعروف لدى العامة بـ "شارع الحسبة".

فالمشغل الذي  بالكاد يتسع لثلاثة أشخاص مع وجود ماكنتي خياطة للأحذية، احتلتا الحيز الأكبر من مساحته، وعمال المشغل الثلاثة، يعج بالزبائن ممن يقصدونه إما لإصلاح الأحذية أو الحقائب، أو لشراء الأحزمة الجلدية المتدلية كأغصان الشجر على واجهته حتى لا يكاد المرء يتبين معالم هذه الواجهة من كثرتها.

امتهن ابو صالح المتحدر من قرية دير طريف المهجرة، حرفة "الاسكافي"، في سني مبكرة من عمره، إذ ورث المهنة عن والده الذي التحق بالرفيق الأعلى قبل سنوات.

يعود الرجل صاحب اللحية التي غزاها البياض، بذاكرته إلى ما قبل خمسين عاماً عندما بدأ مشواره مع هذه المهنة، "كان عمري حينها أحد عشر عاماً عندما بدأت أساعد والدي في المشغل، لم تكن قدماي عندها تطالان ماكينة الخياطة"، يقول أبو صالح.

لم يكمل أبو صالح تعليمه الذي انتهى عند الصف الثالث الإعدادي، لكنه في المقابل لم يبد ندماً لذلك، فهو يرى أن رسالته التي أداها بأمانة وإخلاص تجاه أسرته ومجتمعه، تشعره بالرضى عن النفس والفخر في آن معا، فلديه خمسة أبناء، أربعة ذكور وفتاة، منهم من أكمل تعليمه الجامعي في تخصص تكنولوجيا المعلومات، وفقط يعمل معه ابن واحد في المشغل.

نظر أبو صالح إلى وجهي نظرة المتفرس، راصداً ردة فعلي وهو يخبرني عن ممارسته فن الرسم، الذي أكسبه مهارة كبيرة في مهنته، ليس من قبيل اصلاح الأحذية فحسب وإنما أيضا لجهة تطويرها، فكلاهما فن يستلزم ذوقاً رفيعاً من ممارسه كما يرى.

"الفن ساعدني في مهنتي بالتعامل مع الأحذية، فأنا لا أعمل على صيانتها فقط وإنما تطويرها أيضاً" يقول أبو صالح وعيناه تشعان اعتزازاً وأنفة.

يتمتع أبو صالح، بالفراسة خاصة في حفظ الوجوه، ورغم مرور أناس كثر عليه إلا أنه يتذكرهم وهذه نعمة من الله، يقول جازماً. ويروي هنا حادثة وقعت مؤخرا  أن رجلاً وقف عند باب مشغله متأملاً في معالم المنطقة،  الأمر الذي لفت انتباهة أبو صالح الذي عرف الرجل رغم اغترابه عن البلد منذ العام 1972.

ومن غرائب القصص التي يرويها أبو صالح، أن جاءه رجل قبل نحو عام ونصف العام، يطالبه برجاء أن يساعده في استرداد حذاء والده الذي توفي. وكان والد الرجل وضع الحذاء عند أبي صالح لإصلاحه، ويرغب باسترداد الحذاء كذكرى من مقتنيات والده، وفعلاً بحث أبو صالح عن الحذاء وأعاده للرجل ولم يقبل بتقاضي أية أجرة نظير إصلاحه.

لا يهتم ابراهيم قنديل للماديات، فأعلى أجر تقاضاه عن إصلاح حذاء كان ثلاثين شيقلاً، بل في كثير من الأحيان ومن واقع خبرته كان يشعر أن بعض زبائنه لا يملكون أجرة اصلاح أحذيتهم، فيسرحهم دون أن يشعرهم بأي حرج، فأبو صالح يؤمن أن "كثرة اللقم تطرد النقم".

مر على مشغل أبو صالح الأغنياء والفقراء منهم من رحل ومنهم لا يزال حيا يرزق، ومنهم من تبوأ أو يتبوأ الآن مناصب رفيعة، إلا أنه رفض التصريح عن هويتهم، حفاظاً على خصوصية زبائنه.

أكثر ما جناه أبو صالح خلال مسيرته المهنية، حب الناس والرضى عن النفس، "سعيد بمهنتي وأغلى ما أملك محبتي للناس، ومحبتهم لي" يقول وابتسامة عريضة تزين تقاطيع وجهه.

لم يفكر أبو صالح بتغيير مهنته، او بيع مشغله الذي يقع في منطقة استراتيجية، أو حتى توسعته، فواقع الحال لا يسمح بالتوسعة خاصة مع غزو الحذاء المستورد للأسواق، وتوجه الناس لشراء الأحذية التي تتناسب مع قدراتهم المالية وظروفهم الاقتصادية، بل إن أبا صالح رفض عروضاً مغرية للعمل في مصانع خارج فلسطين، "لو دفعولي ملايين فلن أبيع المحل" قال ملوحاً بأصابعه في اشارة إلى الرفض القاطع.

تراجعت مهنة الاسكافي أمام تطور صناعة الأحذية سواء المحلية أو المستوردة، فقد كان في مدينة رام الله وحدها ثلاثة عشر مشغلا، بقي منها ثلاثة فقط حاليا.

ورغم اندحار المهنة أمام الحداثة، إلا أن أبا صالح بقي حاضراً بقوة لا يتزحزح قيد أنملة عن مهنته التي أحب، ولم ينهزم، ولم يفقد ظله.

------

  *هذه المادة تنشر ضمن مساق تدريبي في ماجستير العلاقات العامة المعاصرة في الجامعة العربية الأمريكية.