أميركا وإسرائيل تبدأان الحرب الاقتصادية

د. عبد الكريم: تداعيات كبيرة لوقف تمويل "الأونروا" وخصم مخصصات الأسرى

* مشروع قانون في إسرائيل لخصم مليار شيقل من أموال المقاصة الفلسطينية

* دولة الاحتلال قد تدفع بخيار الخنق الاقتصادي ردا على قرارات المجلس المركزي

* المجتمع الدولي غير مستعد لتحمل الخطوة الإسرائيلية بالخصم من المقاصة

رام الله - الحياة الجديدة- ابراهيم أبو كامش -يتعرض المشهد المالي والاقتصادي الفلسطيني لهزات اضافية محتملة بعد تجميد التمويل الأميركي لوكالة الغوث الدولية "الأونروا" ومشروع القانون الذي يجري الدفع به في دولة الاحتلال لخصم قيمة رواتب الأسرى من اموال المقاصة الفلسطينية، وهو ما سيكون له تأثير مباشر على المالية العامة.

فاذا ما قامت اسرائيل بخصم اية مبالغ مقابل مخصصات الأسرى من مستحقات المقاصة، والتي قدرت بمليار شيقل أي بحدود 300 مليون دولار، عندها سيؤدي الى تخفيض ايرادات السلطة الفعلية وزيادة الصعوبات التي تواجهها وزيادة العجز في الموازنة الذي سيحتاج الى تغطية سواء بالاقتراض او بالمساعدات الدولية.

وفي ظل التهديد الأميركي بتجميدها الدعم والمساعدات ووقفها وتراجع منسوبها في السنوات الماضية، سيصبح الوضع المالي للسلطة الوطنية بلا شك أصعب مما هو عليه حاليا.

 

ميزانية "الأونروا"

وبهذا الصدد اكد الخبير الاقتصادي د. نصر عبد الكريم في مقابلة خاصة مع "حياة وسوق"، بان لالغاء مساهمة الولايات المتحدة في موازنة الوكالة تأثير وتداعيات اقتصادية على الاقتصاد الكلي وعلى حياة الأسر المستفيدة من خدمات "الأونروا" اكثر من تأثيره على الوضع المالي للسلطة الوطنية، لأنه يمس موازنة "الأونروا".

وقال: "اذا ما تم فعلا تنفيذ التهديد سيكون من الصعوبة بمكان ان تقوم الوكالة بتنفيذ او بتقديم خدماتها للاجئين بنفس المستوى والكمية والنوعية التي كانت تقدمها لمئات الآلاف من أسر اللاجئين في مخيمات الوطن والشتات، وبالتأكيد ينعكس ذلك على الاقتصاد الوطني ويحرم الأسر أولا من مخصصات كانوا يتلقونها، وقد يؤدي ذلك الى استغناء الأونروا عن خدمات الموظفين والعاملين في مواجهة الأزمة، فلذلك حجم السيولة التي يتم ضخها في الاقتصاد بمختلف القنوات سيتراجع وسيؤثر عليه بالاضافة الى التأثير الأول ما يدفع بالاقتصاد الفلسطيني ليكون أكثر رماديا باضافة المزيد من الصعوبات، لكن يبدو محمول بمعنى اذا وقفت المسألة عند هذين الاجرائين، لا نتوقع حدوث تغيرات وتداعيات دراماتيكية كبيرة التأثير على الاقتصاد الفلسطيني".

ويخشى عبد الكريم، من أي خطوات اقتصادية لاحقة قد تقوم بها اسرائيل من باب العقاب والابتزاز والتسلط، عندها ربما يصبح الحديث عن أزمة خانقة وعميقة يصعب ادارتها والتعامل معها، خصوصا على ضوء ما سيخرج به المجلس المركزي الفلسطيني من قرارات.

ويرى عبد الكريم أن أحد أهم الاعتبارات التي ربما تؤخذ في المجلس المركزي او في ذهن القيادة التي ستقرر او تنفذ قرارات المجلس المركزي هو الاعتبار الاقتصادي، لأنه أضعف حلقة في الصراع بين الفلسطينيين والاسرائيليين هي الحلقة الاقتصادية، وهي كانت وما تزال ضاغطة على الخيارات السياسية الفلسطينية.

ويعرب عن اعتقاده ان الاشكالية تكمن في ردات فعل واجراءات تعاقب فيها دولة الاحتلال الفلسطينيين على قرارات سياسية تحمل في طياتها تمردا على الوضع القائم، عندها من الطبيعي ان تبدأ اسرائيل باعادة النظر في العلاقات الاقتصادية التي بدأت في الآونة الأخيرة تتطور خصوصا في سوق العمل "لذلك اعتقد ان الخطورة تكن هنا وليس في الاجراءين وانما اكثر ماذا سيأتي مما هو راشح حتى الآن".

 

تحمل الضغوط

وتعقيبا على مدى استجابة السلطة للضغوطات والابتزازات المالية قال: "سبق وان حاولت اسرائيل التحريض على رواتب الأسرى والضغط على السلطة لوقفها، كما حاولت الضغط على بعض الدول الاوروبية من اجل ان تربط مساعداتها بوقف صرف رواتب الأسرى الفلسطينيين في سجون دولة الاحتلال".

وتابع: "لا تستطيع السلطة وقف رواتب الأسرى لأن كلفتها السياسية لمثل هكذا خطوة والقانونية والوطنية مرتفعة وأغلى من أي كلفة مالية واقتصادية. حتى لو نفذت اسرائيل تهديدها وسنت القانون وبدأت بخصم قيمة المخصصات من مستحقات المقاصة، ستضطر السلطة للتعامل مع هذا الموضوع وتتقبله وتبقي على مخصصات الأسرى، ولكن يمكنها ان تجعل من هذا الموضوع قضية دولية وقانونية واحد القضايا التي تثيرها وتحركها ضد الممارسات الاسرائيلية".

ويتوقع عبد الكريم، ان المجتمع الدولي غير جاهز لتقبل الخطوة الاسرائيلية، لأن له رأيا مختلفا عن الحكومة الاسرائيلية، والمجتمع الدولي ايضا حريص منذ تأسيس السلطة حتى اليوم على ان تبقى السلطة قادرة على تنفيذ التزاماتها تجاه اوجه الحياة المختلفة للشعب الفلسطيني، لذلك فهو غير معني اطلاقا الآن بادخالها في دوامة العجز ودفعها للحائط لأنه في النهاية يعتقد ان وجودها مهم ولا يزال مهما، ولذلك لا أرى بان هناك اي فرصة لأن تستجيب الحكومة او القيادة لمثل هكذا مطلب.

 

تجميد الدعم الأميركي للوكالة

وقال عبد الكريم: "من الطبيعي ان يضيف تجميد اموال الدعم الأميركي للاونروا اعباء اضافية على السلطة الوطنية، لأنه عندما تتقلص موازنة الأونروا في حال أوقفت اميركا الدعم فعليا، فالذين كانوا يتلقون خدمات من الوكالة سيتوجهون لتلقيها من السلطة التي لا ولن تستطيع التخلي عنهم، ولذلك يصبح الضغط أكبر على الاعانات والمخصصات النقدية التي تدفعها السلطة للأسر الفقيرة والمهمشة من خلال وزارة الشؤون الاجتماعية بتمويل جزئي من الاتحاد الاوروبي، في الوقت الذي تكبر فيه الخدمات الحكومية الأخرى كالرعاية الصحية".

وبالتالي فانه يرى ان أي خدمة يتم تقليصها من قبل "الأونروا" فان الذي سيتحملها هي الحكومة، وهذا ينطبق بطبيعة الحال على لبنان والأردن وباقي تجمعيات ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الشتات.

ولذلك قال عبد الكريم: "تقتضي المصلحة لهذه الدول بما فيها السلطة بان تبقى الأونروا تقدم خدماتها للمستهدفين ليس فقط من باب الاعتراف بحقوقهم والابقاء على قضية اللاجئين حية، وانما لأسباب اقتصادية، لأنه ايضا اذا تنازلت الأونروا او قلصت من خدماتها، لا تستطيع السلطة ان تدير ظهرها للاجئين، لأنهم في النهاية مواطنون فلسطينيون، وهذا بالتأكيد سيضاعف الضغط على موازنة السلطة الوطنية ويزيد من الأعباء المالية المفروضة عليها، وهذا بلا شك سيكون له تأثير غير مباشر اضافة للتأثير على موازنة الأونروا وخدماتها والمستفيدين منها، فهذا التأثير غير مباشر على موازنة السلطة وعلى الاقتصاد الكلي الذي ستلحق به الاضرار خصوصا اننا نتحدث عن 300 مليون دولار قيمة الدعم الأميركي في موازنة السلطة، ولو كانت حصة الضفة الغربية وقطاع غزة منه الثلث أو النصف فليس مبلغا قليلا اذا ما قورن بحجم الاقتصاد الفلسطيني الصغير والصعوبات التي يمر بها".

 

ارتفاع نسبة العجز في موازنة الحكومة

وقال عبد الكريم: "اذا ما افترضنا بان الاجراءات الأميركية والاسرائيلية بدأت فعليا تأخذ مسارها للتنفيذ، العجز الكلي في موازنة السلطة سيرتفع بلا شك مما كان عليه في السنوات السابقة من  1,5 مليار دولار يغطى منه حوالي 700 مليون دولار من المساعدات، والباقي يبقى عجزا من دون تغطية وتضطر السلطة للاقتراض من أجل تغطيته وتؤخر بعض الدفعات المستحقة عليها".

وأضاف: "ان هذا العجز الكلي ربما الآن سيكون أكبر ليس فقط في جانب الانفاق، بسبب ضغوط الاحتياجات الانسانية للاجئين ولا عن حجز أو قطع وخصم مستحقات مخصصات الأسرى من مستحقات المقاصة، وانما ايضا لأنه من جانب ايرادات الضريبة في ظل حركة اقتصاد متباطئة، والثقة في مستقبل الأمان الاقتصادي، تتراجع فيه الدورة الاستثمارية والاستهلاكية، عندها فان الضرائب والرسوم المرتبطة بحركة المستهلكين واستهلاكهم واستثمارهم ووظائفهم الاقتصادية تتراجع، لذلك عندها ستتضرر ايضا قدرة السلطة على جباية المزيد من الايرادات وربما تتراجع حصيلة الايرادات الضريبية والرسوم الجمركية، فالعجز قد يزداد عن 1,5 مليار دولار، الى 2 مليار أو في أقل تعديل 1,8 مليار دولار، وبالتالي ان تم ذلك سنكون امام موازنة فيها عجز أكبر، خصوصا اذا كانت هناك تداعيات الكلفة المالية للمصالحة في موازنة 2018، وستكون في السنة الاولى الكلفة اعلى من المنفعة، عندها سنجد ارتفاعا في العجز".

وتساءل: اما من الذي سيغطي هذا العجز؟ "فمن الواضح ان البديل الأسهل والأقل كلفة والاسرع هو بديل المساعدات، فالنرويج وبلجيكا تبنت دعوة الدول المانحة لمناقشة ازمة الأونروا المالية، وتوفير التمويل اللازم في حال اقدمت اميركا على تنفيذ تهديداتها، لأنها معنية باستقرار الأوضاع في غزة ومنع حدوث كارثة انسانية".

واضاف عبد الكريم ان كانت الدول الاوروبية بالذات وبجانبها الدول الداعمة للفلسطينيين معنية بأهمية الاستقرار المالي والاقتصادي للسلطة وللشعب، حينها من المفترض ان تتداعى لبحث كيف يمكنها تعويض الفلسطينيين عن أية خصومات أو حجوزات أو النقص في التمويل الذي كان متاحا، سواء من الاجراءات العقابية الاسرائيلية او الأميركية.

 

شبكة الأمان العربية

وقال عبد الكريم: من هنا تأتي اهمية اعادة احياء وتفعيل شبكة الأمان المالية العربية التي اقرت في اكثر من مناسبة ولم تنفذ، لأن تصبح جزءا من حراك دولي ساعي للتقليل من التداعيات السلبية للاجراءات الاميركية الاسرائيلية على الوضعين المالي والاقتصادي لشعبنا.

وأكد عبد الكريم "ان شبكة الأمان المالي العربية لحتى الآن لم يتم الالتزام بها، وهناك ربما الفرصة للتحرك بشأن تفعيلها وهو ممكن الآن، خصوصا ان الفلسطينيين يعاقبون اقتصاديا وماليا على مواقف سياسية تتبناها هذه الدول، فلم يسبق ان قامت السلطة بأي موقف احادي الجانب أو انفردت به، ولم تخرج عن موقف الاجماع العربي، وانما جاء لرفض اميركي منحاز تماما لاسرائيل، والسلطة كغيرها من الدول العربية والصديقة التي رفضت هذا الاجراء".

وقال: "ومن هنا تصبح هناك مشروعية سياسية لتبني هذه الشبكة وتنفيذها حتى تحمي القيادة الفلسطينية والشعب وسلطته من أي ابتزاز سياسي، فان كان هناك ايمان باحتدام الصراع مع الاسرائيليية على قضايا مصيرية فمن أسهل طرق الدعم الذي يجب ان يتوفر للفلسطينيين هو الدعم الاقتصادي".

واضاف: "إن كان العرب والعالم غير قادرين على انهاء الاحتلال والوقوف في وجه المخططات الأميركية والاسرائيلية، فعليهم ان يقوموا بأضعف الايمان وأخف الطرق وهو الدعم المالي والاقتصادي بتوفير 100 مليون دولار في الشهر حتى يغطي العجز الى جانب الدعم الاوروبي".

واشار الى انه من المهم للغاية تفعيل الشبكة والبحث مع الدول الاوروبية عن آليات زيادة دعمهم وحثهم على اعتبار هذا العام استثنائيا، ومساعدة الفلسطينيين على تخطي بأقل كلفة اقتصادية.

وقال عبد الكريم: الخاصرة الرخوة في الصراع مع الاسرائيليين هي الخاصرة الاقتصادية. يجب تحصين وتمكين الفلسطينيين اقتصاديا حتى يستمرون في مواقفهم الرافضة للتسوية غير العادلة، واعتقد ان الرسالة يجب ان تكون بأن العالم ملزم اخلاقيا وانسانيا وسياسيا بان يستمر في تقديم الدعم للسلطة الوطنية وللشعب طالما الاحتلال باق.

وتابع: "اذا انتهى الاحتلال فلا أحد يمكنه ان يلوم أي دولة أو أي جهة في عدم تقديمها الدعم، فنحن حينها نكون دولة ذات سيادة على مواردها وغير منتقصة الحقوق، لذلك عندها لم يعد هناك مبرر أو عذر على المطالبة بتقديم وتوفير المساعدات، ولكن الآن عليهم التعامل مع الموضوع باعتباره مصلحة ليست فقط فلسطينية وانما هي مصلحة اقليمية ودولية".

 

خشية تحول الدعم العربي لمعول ابتزاز

وفيما يتعلق بتحول المال العربي لمعول ضغط وابتزاز آخر على القيادة قال عبد الكريم:"اذا الدعم العربي المتوفر والقائم اليوم هامشي، فلن يضيف صعوبات جوهرية ان حصل واصطف الى جانب الضغط الأميركي الاسرائيلي على السلطة والقيادة، وبالتالي ليس له وزن كبير، فالدعم يأتي اليوم من السعودية وان كان انخفض، والجزائر تفي بالتزاماتها وان كان ليس ذا اهمية مالية كبيرة".

وأضاف: "بالنظر للسنوات الماضية فان معظم الدول العربية لم تف بالتزاماتها وكل له سببه، بعضهم لأسباب اقتصادية وآخرون لأسباب سياسية، لذلك فان هذا الدعم العربي القائم اليوم حتى لو تم قطعه وهذا ما لا نتمناه ولا نرجوه ولا نأمله، حتى لو حصل ذلك فانه لا يشكل جزءا اساسيا من المساعدات الدولية، ولن يشكل شيئا اضافيا جديا يهدد الاستقرار المالي للسلطة".

وتابع: اذا لم تقم الدول العربية بتفعيل شبكة الأمان، عندها يصبح من الضروري البحث عن بدائل اخرى، بالعودة الى المجتمع الدولي والنرويج منسقة الجهات المانحة ولجنة المساعدات الدولية.

ويعتقد عبد الكريم، ان الاوروبيين اضافة الى الصين وروسيا وبعض دول اميركا اللاتينية، جاهزون لرفع مساعداتهم للسلطة لاعتبارات سياسية وتخص أمنهم ومصلحتهم الاقليمية، ولرفضهم مواقف الرئيس الأميركي وسياساته ومخططاته لحل الصراع، لذلك فان الظروف مهيأة اكثر لتزيد درجة اهتمام هذه الدول اقتصاديا وسياسيا بملف الصراع مع الاسرائيليين، لذلك فان البديل عن الدعم العربي هو الدعم الاوروبي والدعم من الدول الصديقة والعالم الاسلامي الذي يجب ألا يغيب عن تقديم المزيد من الدعم، وان صدقت نيتها فانها تملك من الامكانيات والقدرات لتعويض القيادة والسلطة والشعب عن اية نقص تمويل. ولكن الارادة السياسية هي الأهم بهذا الخصوص.