قبل مئة عام سهلت بريطانيا عملية تطهير فلسطين عرقيا واليوم تحتفل بهذه المناسبة

د. صائب عريقات - أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس دائرة شؤون المفاوضات.

"باحتفالها بمئوية وعد بلفور "بكل فخر" تتمسك بريطانيا بخطيئتها الاستعمارية وتنكرها لحقوق شعبنا الفلسطيني"

يُحيي هذا العام نحو 13 مليون فلسطيني متفرقين في جميع أنحاء العالم ذكرى مرور 100 عام على صدور إعلان بلفور في الوقت الذي تجاهلت فيه الحكومات البريطانية المتعاقبة مسؤوليتها عما حل بشعبنا من عواقب كارثية جراء هذ الإعلان المشين الذي ما زال يدفع ثمنه أبناء شعبنا حتى يومنا هذا.

وعلى الرغم من أن العديد من المواطنين البريطانيين ليسوا على دراية بتأثير كل من وعد بلفور والانتداب البريطاني على شعبنا الفلسطيني، إلا أن هذين الحدثين مهدا الطريق للتطهير العرقي لفلسطين التاريخية في عام 1948، حيث تم تهجير المدنيين الفلسطينيين قسرا من منازلهم وذبحهم في هجمات إرهابية بشعة في ظل وجود القوات البريطانية في فلسطين. 

واليوم، بينما تمجد إسرائيل الإرهابيين الذين طردوا الشعب الفلسطيني من ديارهم لا يزال وعد بلفور ينير درب حكومة الاحتلال ويلهمها لمواصلة حرمان الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير.

لقد كان وعد بلفور قرارا واعيا ومدروسا بتجاهل حقوق مئات الآلاف من الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين الذين كانوا يعيشون آنذاك في فلسطين ويشكلون 95 بالمئة من السكان.

ففي فترة صدور إعلان بلفور، كان يبلغ تعداد شعبنا أكثر من 700 ألف نسمة، متجذرا في حوالي 28 ألف كيلومتر مربع في أرض اسمها فلسطين، هم أحفاد من بنوا مدينة القدس وموانئ يافا القديمة وحيفا ومدن غزة وبيت لحم والناصرة ونابلس، بالاضافة إلى مسقط رأسي أريحا، أقدم مدينة مأهولة بالسكان في العالم، وكذلك البحر الميت وغور الأردن الغني بموارده الطبيعية.

قبل مئة عام، كان وعد بلفور يقضي بتقطيع أوصال فلسطين وعزلها عن العالم ومحاولة القضاء على هويتنا الوطنية، إلا أن شعبنا حافظ على هويته الوطنية على الرغم من الخسائر والمعاناة والاقصاء، ولا تزال متأصلة بمزيد من الفخر بتراثنا التاريخي العريق الذي رسخته أمة قوية ونابضة بالحياة.

لقد كانت النتيجة المباشرة للاستعمار البريطاني في فلسطين تشريد هذا الشعب ونفيه، والذي بدأ مع نكبة عام 1948. لم تكن هذه النكبة مرحلة تاريخية مؤقتة من التشريد القسري والتطهير العرقي ولكنها أضحت عملية متواصلة استمرت الى فترة ما بعد الاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس وقطاع غزة في عام 1967، عندما هجرت المزيد من مئات الآلاف من أبنائنا قسرا ودمرت المئات من القرى الفلسطينية بما فيها عمواس ويالو وبيت نوبا.

وعلى الرغم من تنازلنا المؤلم بقبول الاعتراف بدولة اسرائيل على 78 بالمئة من وطننا التاريخي، تواصل إسرائيل حرماننا من حقنا في الوجود والعيش بحرية وكرامة على أرض دولة فلسطين المعترف بها دوليا والتي تشكل 22 بالمئة من وطننا التاريخي، ولا تزال بريطانيا كذلك تتجاهل هذه الحقوق، وستحتفل بمرور قرن على طرد الشعب الفلسطيني من دياره وسلب حقوقه بدعوة رئيس وزراء الاحتلال إلى لندن.

ان قرار وعزم الحكومة البريطانية الاحتفال بهذا الوعد العار هو بحذ ذاته إهانة كبرى للشعب الفلسطيني ولمبادئ العدالة، خاصة أن وعد بلفور الذي يتنكر للحقوق السياسية لشعب فلسطين هو ما تقوم بتنفيذه حرفيا حكومة الاحتلال الإسرائيلية على أرض الواقع، وهذا ما تترجمه برفضها لحل الدولتين الذي يتيح لأبناء شعبنا ممارسة حقوقهم السياسية التي طال انتظارها، وبرفضها أيضا لقيام دولة ديمقراطية واحدة في جميع أنحاء فلسطين التاريخية يتمتع جميع مواطنيها بحقوق متساوية. لم تكن مبادئ بلفور تقوم على أسس الديمقراطية والعدالة بل على الاستعمار والاضطهاد. لا يكفي أن تدعي الحكومة البريطانية تأييدها لحل الدولتين في الوقت الذي تعمل على تعبئة واستغلال ثقلها الدبلوماسي لمجابهة الاعتراف بدولة فلسطين أو بمنع أية محاولات لمساءلة إسرائيل على انتهاكاتها للقانون الإنساني الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

من الواضح أن الحكومة البريطانية لا تزال ملتزمة بتجاهل الحقوق الفلسطينية من خلال الاحتفال "باعتزاز وفخر" بدرورها الاستعماري الذي تسبب في التهجير الجماعي لشعب فلسطين وايقاع الظلم والأسى بهم. ولا تزال تتجاهل قيام 274 عضوا في البرلمان البريطاني بالتصويت لصالح الاعتراف بفلسطين والذين دعوا حكومتهم إلى الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته، وتتجاهل أيضا جهود الآلاف من مواطنيها الذين يناصرون حقوق شعبنا بلا كلل.

 يتوجب على الحكومة البريطانية تصحيح هذا الظلم التاريخي وتقديم الاعتذار الذي طال انتظاره لشعب فلسطين والاعتراف بدولة فلسطين على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وعلى الرغم من أن هذا الاجراء وحده لن يمحو نتائج وآثار الاستعمار، إلا أنه سيشكل نموذجا لسائر أعضاء المجتمع الدول للقيام بما ينبغي لتحقيق سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط وحول العالم. لقد آن الأوان لبريطانيا أن تتصرف بمسؤولية لإحداث تحول نموذجي ملح واتخاذ خطوات ملموسة نحو إحقاق الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني، الحقوق ذاتها التي تم رفضها والتنكر لها من قبل بلفور منذ قرن مضى.

------------

عن "هآرتس" العبرية