إلى الرئيس أبو مازن .. القول الفطين في قطع الشك باليقين!!

سلطان الحطاب

ولكنهم "لم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد" فهل استبانوا الرشد؟ وهل أدركوا أنهم فرقوا العصي الفلسطينية لتتكسر، وأنهم لفظوا قوله تعالى "واعتصموا بحبل الله" واكتفوا باللفظ وضلوا بعد ذلك سبيلا..؟؟

حملوا الأمة فوق ما تحتمل، ووضعوها في غزة أمام الآلة الحربية الإسرائيلية التي طحنت الأطفال وحرقت الزرع والضرع حتى أصبحت غزة في المستنقع وسط الظلام محاصرة من الدواء والكهرباء وقد جرى شيطنتها واغلقت في وجهها المعابر وضاقت بأهلها الأرض بما رحبت ليتولى من أقاموا لحكمها اللجنة الادارية الجباية واقتصاد الانفاق لأول مرة في التاريخ، ليأكلوا ويجوع غيرهم ويتعالجوا ويمرض غيرهم ويضيئوا بيوتهم وساحاتهم ويعيش غيرهم في الظلام..

تلك صفحة سوادء لم يمل الرئيس من وصفها ولكنه تجاوزها وغفر لمن فعلوها منذ أرسل لهم رسله ووفده ولكنه لن ينسى لأن الجراح كانت عميقة في شعب صامد لا يستحق الذي جرى له..

إنها المصالحة إذا.. وهي استحقاق وواجب وهي دواء بلسم لجرح الانقسام الذي لا بد أن يندمل إذا ما صفت النوايا..

هذه إذا لحظة تاريخية .. وقد ألقوا بكل ما تراكم في غزة من مشاكل وظلم ومعاناة أمام الرئيس وقالوا له اذهب أنت وسلطتك إنا ننتظر ما ستفعل.. فهل هم صادقون؟

يأتون وقد تقطعت بهم السبل، وضاقت بهم الاتجاهات، وطلبتهم القبائل وهم يدركون أن شعب غزة هو من يسدد الفاتورة.. أخذتهم العزة بالإثم وعلوا واستكبروا إلى أن أدركوا ان الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل وأن الالتزام بالجماعة هو الأولى وأن التراث النضالي للشعب الفلسطيني في منظمة التحرير لا يمكن التفريط به وأن الإطار يتسع للجميع وأن الخيار لذلك هو صندوق الاقتراع الذي حولوه إلى سلم ليصعدوا عليه في إنتخابات عام 2006 وحين صعدوا وفازوا بسبب نزاهة الرئيس وإلزامه لجماعته في فتح بالنتائج مهما كانت، رموا السلم ولم ينزلوا، وحين استعصى عليهم النزول عن الشجرة التي كانت ستنشر من أهل غزة وهم فوقها بدأوا يطلبون المساعدة للنزول، وها هو الرئيس يمد لهم السلم مرة أخرى لينزلوا إلى الأرض ويتعلموا مرة أخرى كيف يصونون نتائج الإنتخابات وكيف يتمرنون على الشراكة ويقبلون الائتلاف.. 

ما زلت أذكر فجر ذلك اليوم.. حين اتصل الدكتور حنا ناصر رئيس لجنة الانتخابات مع الرئيس أبو مازن ليقول له نتائج الانتخاب وقد أدرك الرئيس أن الفوز كان لهم فلم يتغير موقفه ولم يقلب الطاولة ويلغي النتائج كما يفعل النظام العربي، بل قبلها وطالب بإنفاذها وبشر حنا ناصر بأننا قابلون وبادر بالاتصال بالسيد اسماعيل هنية الذي عليه أن يتكلم الآن عن تلك الليلة أن يأتي لتشكيل الحكومة وفي نفس اللحظة استدعى أبو علاء أحمد قريع من منزله في أبوديس فجرا وكان أبو علاء قد نام لساعة واحدة أخذه فيها نعاس الفجر وطلب منه الحضور لتقديم الاستقالة التي سبقت حضور هنية بوقت قصير.. تلك لحظات تاريخية كان ثمن الديمقراطية فيها باهظا.. كانت شخصيات من فتح قد تجرعت المرارة وكان الأمنيون في فتح قد ابلغوا الرئيس بأن لديهم خططا للتخلص من نتائج الانتخابات بأساليب عدة، حينها فقط غضب وحذرهم وحملهم المسؤولية وسارع بقبول النتائج علنا ليقطع الطريق على الذين أرداوا شيئا آخر، كل ذلك حصل.. وكل ذلك لم يقنع مالكوا شعار حماس، فقد استهواهم الانقلاب والانفراد بعد ثلاثة أشهر ليعلنوا غزة إمارة لهم ويخوضوا صراعا كان فيه شهداء وجرحى وإطلاق رصاص وقطع أصابع وإلقاء مناضلين من سطوح الأبراج في غزة.

كانت الخيارات صعبة أمام الرئيس عباس ومن يؤمن بنهجه ليقول "إن كنا رضينا النتائج في الانتخابات فهل نخوض حربا أهلية وقودها الشعب الفلسطيني" إذ لم يكن يهتم هؤلاء بما يمكن أن يحدث وكان الإهتمام منصبا على إقامة كنتون في غزة حسبوا أنهم من خلاله يفتحون الدردنيل!!

ذهبوا شرقا وغربا وقرأوا في كتب كثيرة ووضعوا الشقيق مكان العدو والأجنبي بديل الأخ وابن العم والشقيق وربطوا انفسهم بحركة الإخوان المسلمين التي كانت ترقد على بيض مختلف محتواه ومختلط من باطنه، ولم يدركوا أن في حركة الإخوان العالمية من يعتبر الوطنية منتنة وفتنة ومن يميل الى افغانستان قبل القدس، ومن يرى الملائكة تقاتل مع حسن البشير قبل ان ينتزع الشياطين جنوب السودان!!

كان محمود عباس واضحا وشجاعا في قبوله المبادرة، حين جاءه الخبر في اقامته في نيويورك وهو يحضر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وكأني به يقول "يا سارية الجبل الجبل" ويوعز بنصرة الفكرة والتقاطها وانتظار قدومه.. كان قد حرض اردوغان في زيارته له في اسطنبول ان ينصح الابن الضال بالعودة عن اللجنة الادارية، ولم يتردد اردوغان في النصح لأنه كان يرى ان الطريق يأخذ حماس الى المجهول، وتشمت بها اعداءها حين تنفجر غزة في وجوههم وتخرج عليهم خروج طهران على الشاه وخروج اديس ابابا على هيلاسي وخروج أهل بغداد على القرامطة.

ما قاله الرئيس عباس لـ لميس الحديدي وعمرو اديب في لقائين تلفزيونين منفصلين هو وثيقة تكشف اللحظة القائمة وتداعياتها قبل ان تنسى، فقد سرد الدوافع والأسباب وأضاء المساحات السابقة والقائمة واللاحقة دون مواربة وهو يدرك حجم العبء وعودة الامانة الى اهلها بعد ان وقع عبث شديد وتدمير واساءات ونزف دماء زكية.

نعم جاءت مصر بالمصالحة ودفعت بجهاز مخابراتها لانفاذ ما يمكن انفاذه في غزة التي تحولت الى مكان لا يصلح حتى لحكم حماس او للعيش البشري، وكانت مصر مدفوعة ايضا بمصالحها والحفاظ على أمنها بعد ان كشفت ان الأنفاق كانت تأتي منها رياح السموم لتقتلع زرعها وتهز استقرارها، فالسلاح كان يتدفق بمعرفة اسرائيلية تحرص على ان تتحول سيناء الى كرة نار في الحضن المصري.

نعم اسقطت مصر صفقة عقدها مرسي حين سمح "بأخونة " القضية الفلسطينية وفضل حلا غير فلسطيني وغير وطني فيه دولة لغزة وما جاورها من امتداد بديل، وحين قبل الدولة المؤقتة وانقلب على التمثيل الفلسطيني، وجعل حماس شريكا في مفاوضات مع اسرائيل في مكتب "الاتحادية" جوار مكتبه وكان ما جرى من تحت الطاولة قد تسرب وقد اطلعت على بعضه في حينه وصدمت حين نشر الرئيس ابو مازن الخريطة الكاشفة للمخطط وحذر ودب الصوت الذي لم يسمعه في حينه لا عرب ولا عجم ممن كانوا مأخوذي برقصة الزار التي عقدها مرسي ليدشن طريق حماس لولاية اسلامية وبناء فسطاط آخر لديار الاسلام وأهل الهجرة بعيدا عن أهل الكفر!!

اذن مصالح مصر أملت وأمنها أملى ودورها التاريخي في القضية الفلسطينية أملى بعد ان كانت استدارت في زمن مرسي.. لقد عانت مصر في سيناء وما زالت واختبأ الاسرائيليون وراء من دعوا للجهاد ولكن باتجاه الجنوب هذه المرة!!

هل نضجت المعاناة وهل ادركت حماس الان خطا خروجها على الصف الفلسطيني وكلفة ذلك وهي الكلفة التي دفعها الشعب الفلسطيني.. لم يستجيبوا لاتفاق القاهرة ولا الدوحة ولا كل اشكال الوساطات ولا حتى القسم بالله الذي أقسموه على أستار الكعبة فكل ذلك لم يكن يخدم الفكرة الخفية وهي الانفراد والرغبة في السلطة.

اليوم وكما قال الرئيس "نحن أولاد اليوم" قالها مخلصا وداعيا الى الهروب من كابوس الانقسام وعذابه وقد عمل من اجل هذه اللحظة حين استعمل آخر الأسلحة وهو معاقبة حماس واغلاق حنفية الدعم عنها حتى يعود الابن الضال، وقد نجح أبو مازن رغم التشهير بخطوته واتهامه وخروج الكثيرين عليه واستعداء اسرائيل التي كانت تشترط على الرئيس في زمن الانقسام "مكسور لا تأكل وصحيح لا تكسر، واذهب الى التفاوض ليكون زادك" اوقعوا الانقسام الذي اختبأت وراءه اسرائيل بقولها "نتفاهم مع من" واختبأت وراء ادارة اوباما التي حذرت من العودة عن الانقسام واتهمت الرئيس ابو مازن انه يريد المصالحة مع ارهابيين.. الى ان صمتت أخيرا والرئيس عباس لا يغفل خطر صمت الاسرائيليين او عدم ابداء ردة فعل مانعة.. كما انه لم يحصد موافقة اميريكية صريحة على المصالحة وان كان في حديثه مع ترامب ايضا لم يسمع ما يمنع من الذهاب الى المصالحة..

يدرك أبو مازن انها بداية.. وان هناك صعوبات جمة وان الدولة الفلسطينية ما زالت.. وانها لن تكون بين عشية وضحاها بل لا بد من مواصلة العمل على الطريق الناجح الذي دشنته قيادته بكفاح سياسي واضح في منظمة الانتربول.. وقبولها في العديد من المنظمات الدولية المنبثقة عن الامم المتحدة.. فقد ثبت الآن للكثيرين ان نضال القيادة الفلسطينية السياسي كان يقوده الرئيس أبو مازن والذي آمن به ولم يخرج منه حتى وهو يشجب الانتفاضة المسلحة ومشتقاتها ليؤكد على ان اساليب النضال عديدة اختارت حماس واحدة من مائة واختارت آخر حلقة وهتفت "للقدس ماشين شهداء بالملايين" دون ان ترمم بيتا مقدسيا أو تدعم صمود عائلة هدم بيتها أو اقتلعت منه..

اذن الرئيس وقد بلغه الخبر بأن حماس حلت ورطتها "اللجنة الادارية" لم يقل ما قاله امرؤ القيس حين قتلت كندة والده وانقلبت عليه "اليوم خمر وغدا أمر"، بل أمر حكومته الى السفر الى غزة للسؤال عن حاجات الناس وتقديم الأمل لهم وقال: "بقدرش أتلكك" لأني أنا من أصر على الغاء اللجنة الادارية وأنا من اراد حلها وتمكين الحكومة من اداء عملها في غزة كما الضفة الغربية تماما. ثم الذهاب الى الانتخابات التشريعية الرئاسية.

دعاهم الى كلمة سواء والى أخذ ما يستطيعون من الشرعية عن طريق الصناديق وليس بغيرها كما حاولوا قبل حل اللجنة الادارية.

الرئيس الذي يثق بمصر قبلها حكما وقبل ان تكون الطاولة المصرية مكانا لفتح كل الملفات وان تشهد القاهرة خاتمة الأحزان بعد ان بشرت بمولود المصالحة وتضميد جرح الانقسام. فهي راعية الولادة ويأتي تقدير الرئيس أبو مازن لها في انها لم تمل ولم تشترط وليس لها ما تخفيه أو تحاول الصيد فيه.

الرئيس الذي يتمتع بروح فكاهة عالية لا يظهرها يستطيع معرفة ذلك من بعض تعبيراته فهو يحمل ايضا روح فنان تعطيه الصبر ويفلسف من خلالها كثيرا من أساليب العمل.

الذين راهنوا على أن اسلوب الرئيس لن يأتي بحماس كتفا فوجئوا بالنتائج وأدركوا خبرته وبصيرته فقد قرأ السطور وما بين السطور منذ إنقلاب غزة وما حمله من بنت شيطاني لم يكن من ثماره فقط ظاهرة الدحلان التي غربت حماس فيها النكاح وإنما من ظواهر اخرى كثيرة كانت استحقاقاتها مكلفة.

أليس ما جرى صدمة لمدام كلينتون وزيرة الخارجية الاميركية السابقة التي حاولت أن تجمع رأسين على مخدة في مكتب الإتحادية في القاهرة بجوار مكتب مرسي حين سمحت لإسرائيل أن تجد شريكا في التفاوض من خارج المنظمة حيث يحلل الإخوان ما كان محرما، فيلتقي الإسرائيليون مع الحماسيين بمباركة وافتاء من مكتب مرسي الذي كان يعتقد أن هذا شبيه بلقاء قريش مع يهود بني قريظة!!

إن الموقف الذي أظهره أبو مازن أمام الشروع بالمصالحة هو موقف حكيم وعظيم حذر فيه من أنه لن يستفز من هذا المعسكر أو ذلك من حماس أو حتى من جماعته فهناك من ليس لهم مصلحة في المصالحة أو ردم الإنقسام فقد إستفادوا من الوضع القائم وتكيفوا معه وهؤلاء يقول لهم لن نلتفت إلى مواقفكم وحملاتكم وشتمكم ولن توقف دواليبنا عصيكم طالما ظلت حماس ترغب في أن نسير معا وأن يكون لدينا شرطيا واحدا ومسؤولا عن المعابر واحدا وبندقية معلومة واحدة ومرجعية واحدة ونهجا واحدا وصناعة كل ذلك من نتائج الصناديق .. لتكون المخرجات هي من نتائج التوافق لا الانقلاب..

المصالحة عنوان والطريق طويل إلى إنهاء الإنقسام وتصفيه أثاره من أجل الذهاب إلى الدولة المستقلة التي لن تكن في اليوم التالي وإنما بعد مشوار طويل من نضال متراكم لا يلغي بعضه بعضا وإنما يراكم بعضه فوق عمل بعضه..

هذا المشوار الجديد لا يجوز أن يكون فيه التربص أداة أو حتى شعار، ولا يجوز إحصاء الأخطاء واتخاذها مبررا للنكوص.. فالاطراف جميعا أخطأت و أوصلت الشعب الفلسطيني إلى هذه الحال.

المصالحة التي تنخرط فيها الأطراف الفلسطينية الآن هي بداية الأمل وهي زراعة بذرة الوحدة الوطنية التي ستثمر حق تقرير المصير بشكل يضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية..

حياك الله ايها الرئيس وألهمك المزيد من الصبر فأنت أكثر ما تكون بحاجة إليه.

---------

عن "عروبة الإخباري"