جنود مجهولون في رمضان

 

استراحة الحياة

سهاد الربايعة

يتحلق افراد الأسرة الغزية في شهر رمضان حول مائدة الطعام ساعة الإفطار تظللهم أجواء التراحم والمحبة والدفء, يتناولون طعامهم بعد صيام يوم طويل, يتهامسون بالدعاء ويكسو لون الفرح تفاصيل المكان.

تتشكل حالة إيمانية رائعة يعيشها جميع أفراد الأسرة, وفي المقابل هناك آخرون غائبون عن هذا المشهد العائلي الرائع في الساعة ذاتها, انهم العاملون ساعة الإفطار خلال شهر رمضان المبارك في مهن تحتم عليهم ذلك.

 

ضرورات عمل

المصور الصحفي حسن الجدي, الذي يمضي ساعة الإفطار خارج منزله لتأدية عمله يقول انه منذ اليوم الأول من شهر رمضان جاب عدة مناطق في قطاع غزة لتصوير معاناة المواطنين, خاصة أصحاب البيوت المدمرة الذين يسكنون الكرفانات في بلدة خزاعة شرقي خان يونس, إضافة لنقله صورا لعيشة أناس خلال شهر رمضان بعد عدوان دامٍ على غزة.

ويتابع الجدي: "صحيح أن الصيام متعب فترة العمل, خاصة أنني اخرج ظهرا ولا أعود للمنزل إلا في ساعة متأخرة من الليل, وأحيانا أتناول الإفطار مع الناس في الشارع أو على ركام المنازل المهدمة" مشيرا إلى أن العديد من المواطنين أقاموا افطارات جماعية على أنقاض منازلهم, وكان الشعور مختلفا كليا ساعة الإفطار وسط معاناة الذين تحدوا كل شيء, وما زالوا يمضون الشهر الفضيل بكل صبر وثبات.

واستطرد: "للسنة الثانية على التوالي اقضي رمضان خارج المنزل, كون غزة شهدت في شهر رمضان المنصرم حربا ضروسا دمرت كل شيء, وعملي يتطلب أن أتواجد في الميدان لنقل الحدث على وجه السرعة, فلم يكن هناك مجال للنوم وقتها أو للإفطار في المنزل, فكنت أدبر أمري بأي شي بسيط وقت الإفطار مع باقي الزملاء في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح", مبينا أن الشعور مختلف عندما يكون الإفطار في المنزل ومع أفراد العائلة, حيث الدفء والشعور بالراحة ومتعة الصيام.

أما المراسل الصحفي عبدالله عبيد، فنوه إلى أنه يقضي بعض أيام رمضان في مكان العمل, فيكون الإفطار مع الزملاء أو في الميدان.

وقال: في اغلب الأوقات نخرج للتصوير وعمل التقارير الصحفية, فيدخل وقت الإفطار وما زلنا نعمل, فنضطر لمشاركة الناس طعامهم خاصة أصحاب البيوت المدمرة الذين يرحبون بنا, وأحيانا نأخذ معنا بعض زجاجات المياه والتمر.

وأشار إلى أن العمل في رمضان مجهد ومتعب, لكن الشعور بمشاركة الناس فرحة الصيام يخفف ذلك التعب, إلا انه لا غنى عن مشاركة الأسرة وجبة الإفطار بين الفينة والاخرى.

وبين عبيد أن رمضان العام الماضي كان صعبا لأن الحرب جعلت كل الصحفيين يفطرون خارج منازلهم بعيدا عن عائلاتهم, فكانت تجربة صعبة ومؤلمة, مردفا أن تناول طعام الإفطار لا يكون مبهجا وممتعا بعيدا عن العائلة والأشخاص الذين نحبهم ونشاركهم متعة الدعاء في تلك الساعة.

 

ذكريات لا تنسى

وفي السياق ذاته قال محمود النمروطي الذي عمل في جهاز أمني بغزة قبل الانقسام، إن ذكريات رمضان والصيام التي عاشها مع زملائه ما زالت حاضرة في ذاكرته, مبينا أن لها طعما خاصا, وكان لها برنامج مختلف فترة العمل, مشيرا إلى أن فترة الدوام في الموقع كانت تبدأ من الساعة الثامنة صباحا وتمتد إلى قبيل أذان المغرب, موضحا أن الأيام كانت بالتناوب يوم يكون الإفطار بالمنزل والتالي يكون في العمل, مؤكدا أن طبيعة العمل تحتم عليهم ذلك خاصة في بعض الظروف الاستثنائية والطارئة.

وعبر عن حنينه لتلك الأيام قائلا: "كنا أغلب أيام شهر رمضان نقوم بإعداد الطعام في الموقع لنشعر بمتعة الصيام, وقليلا ما نجلبه معنا من منازلنا وتناوله هناك".

وأضاف أن بعض الأقارب ومواطنين يسكنون بالقرب من الموقع يشاركونهم الإفطار ويجلبون لهم وجبات منزلية, مشيرا إلى أن الإفطار في المنزل ومع العائلة والزوجة والأولاد يخلق شعورا خاصا ومختلفا عن الإفطار خارجه لكن الانسان يجب ان يضحي من أجل سلامة وامن المجتمع وتلبية مصالح العباد.

أما المواطن ماجد عوض الذي عمل في الأمن الوقائي قبل الانقسام فارتسمت على شفتيه بسمة حنين وشوق لسنوات عدة مر عليه شهر رمضان فيها بالعمل مع زملائه وقال:  كنت أنا الشيف في الموقع, أحب أن اعد الطعام في رمضان لزملائي في العمل ومشاركتهم متعة الصيام, وكنا نجلب في بعض الأحيان وجبات طعام من منازلنا لأن كثيرا منا لا يفضلون الطعام الجاهز, إضافة إلى أننا نجلب الحلويات والفواكه ونسهر إلى فترة السحور", مضيفا انه كان يداوم يوما في الموقع ويومين في المنزل, مردفا أن أيام شهر رمضان خلال سنوات عمله لم تفارقه حتى اللحظة لما لها من خصوصية وحميمية عنده.

وتابع "كنا اغلب الوقت نضطر للإفطار خارج المنزل وحتى الموقع وقت الطوارئ, أو قدوم وفود رسمية إلى غزة, ونكتفي ببعض الماء والتمرات ونقضي بعدها ساعات على المعبر وفي المقرات لحين انتهاء المهمة لنتناول طعام الإفطار, لكن الشعور كان ممتعا في رمضان فترة العمل".

 

نوع من الكفاح

الممرضة صابرين أبو عتيق التي تضطر في كثير من الأحيان إلى المبيت في المستشفى أياما والإفطار بعيدا عن أسرتها وتناول الطعام في المستشفى مع زميلاتها, فاعتبرت ذلك خسرانا كبيرا لا يعوض في شهر الصيام لما له من خصوصية, موضحة أن الطعام الذي يعد في مكان العمل لا يضاهي في روعة إعداده وتجهيزه بمشاركة العائلة في المنزل, خاصة أنها تحب تجهيز السفرة وإعدادها وعمل بعض الحلويات للعائلة, وهذا ما تفتقده كثيرا ساعة الإفطار في العمل رغم مشاركة زميلاتها لها في تناوله, موضحة أن طبيعة عملها تحتم عليها ذلك.

وأضافت: اغلب الوقت نعمل على تجهيز بعض الطعام في المنزل وجلبه معنا إلى المستشفى, أو نطلب توصيله إلينا حتى نشعر بأننا نشارك الأسرة طعام الإفطار ولسنا بعيدين عنها.

وبينت أبو عتيق أن العمل خلال شهر رمضان متعب, خاصة أن مهنة التمريض لا تعرف الكلل, وأصحابها يعملون على راحة المرضى ساعة بساعة, معتبرة أن الإفطار في مكان العمل نوع من الجهاد والكفاح في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتعب العمل المتواصل على مدار الساعة في شهر رمضان لهذا العام.