تراب الخليل يحتضن الشهيدين الرجبي والشلودي و"يتلهف" للمتبقين في الثلاجات

الخليل- الحياة الجديدة- وسام الشويكي- احتضن تراب الخليل اليوم جثماني الشهيدين حاتم الشلودي ومحمد الرجبي، اللذين ارتقيا قبل أربعة شهور، إعداماً، وبقيا محتجزين في ثلاجات الاحتلال، إلى أن جرى ليلة أمس تسليمهما من مقر الارتباط العسكري بالمدينة، وسط استمرار الجهود الشعبية والحقوقية لاسترداد المتبقين.

وبتسليم هذين الشهيدين يتبقى عند الاحتلال سبعة شهداء، منهم ثلاثة من محافظة الخليل؛ هم مجد الخضور ومحمد الطرايرة من بلدة بني نعيم، ومحمد الفقيه من مدينة دورا، تتواصل الجهود على مختلف المستويات لاستعادتها "كي يحظوا بكرامة التشييع والدفن وتطمئن بهم قلوب الأهالي".

وانطلق موكب التشييع من المستشفى الأهلي بالخليل، حيث أجريت المعاينة الطبية عليهما من قبل الطبيب الشرعي وبحضور النيابة العامة، إلى منزلي ذويهما لإلقاء النظرة الأخيرة، قبل الصلاة عليهما في "مسجد ابوعيشة" بوادي الهرية، ظهراً، ثم واصل الموكب المهيب سيره باتجاه مقبرة الشهداء في ذات المنطقة، وبنفس مشاعر الغضب والسخط على الاحتلال، التي ترافق تشييع جثامين الشهداء، تجللها هتافات التنديد والوعيد على ما ترتكبه قوات الاحتلال من إعدامات ميدانية وبدم بارد.

وكان الشهيد الرجبي (16 عاماً) ارتقى متأثراً برصاصات الاحتلال التي أطلقت عليه في منطقة تل الرميدة وسط الخليل في السادس عشر من أيلول الماضي؛ بدعوى تنفيذه عملية طعن طالت أحد الجنود المتمركزين على "حواجز الذل والإهانة" في المنطقة.

وبالذريعة ذاتها، واجه الشهيد الشلودي (26 عاماً) مصيره، بالإعدام في المكان، بعد يوم واحد فقط على استشهاد الرجبي. وهي ذات الذريعة التي تستخدمها سلطات الاحتلال في تبرير جرائم جنودها عند قتل أي مواطن والإجهاز عليه في المكان ومنع تقديم الإسعافات والعلاجات اللازمة وهم جرحى؛ بل استمرارهم توجيه الرصاص القاتل صوب رؤوس المواطنين وأجزائهم العلوية، وهو مشهد يؤكده واقعة استشهاد عبد الفتاح الشريف الذي قضى في محيط المنطقة ذاتها (تل الرميدة)، عندما فتح الجندي الاحتلالي (اليئور أزاريا)، الذي أدانته محكمة الاحتلال العسكرية قبل ثلاثة أيام "بالقتل غير العمد!"، النار على رأس الشريف وهو جريح دون أن يشكل خطراً عليه وعلى "عصابة القتلة".

ووفقاً لتقرير الطب الشرعي، كجزء من ملف تحقيقي قانوني تجريه النيابة العامة ويُسلم لذوي الشهداء بعد إجراء المعاينة المطلوبة على الجثمانين، فإن هذين الشهيدين تعرضا لعدة عيارات نارية قاتلة ومباشرة، كما في حالات بقية الشهداء الآخرين؛ إذ تعرض الرجبي لثلاث رصاصات في الصدر والظهر والفخذ، فيما تلقى الشلودي سبع رصاصات تركزت في العنق والصدر تمكنت من الإجهاز عليه في الحال.

وهذه الدلائل تؤكد من جديد على التوجه الذي بات جلياً ومكشوفاً لدى الاحتلال بمواصلة العمل في "سياسة الإعدامات الميدانية"، دون رادع، وهو ما تعتبره جهات حقوقية خرقاً فاضحاً، خاصةً مع منع تقديم الإسعافات الفورية لهم وتركهم ينزفون على الأرض.

وردد الحشد الجماهيري المشارك في وداع الرجبي والشلودي الهتافات الغاضبة؛ وهم يرفعون صور الشهيدين والشعارات الممجدة لبطولاتهما، إلى جانب الإعلام والرايات، وذلك بمشاركة ذوي الشهداء في المحافظة، وعدد من الشخصيات الرسمية والأهلية والفصائلية.

ودعت حناجر الغضب هذه إلى لجم جرائم الاحتلال وانتهاكاته بحق شعبنا، بمختلف الأشكال والمسميات، ومواصلة العمل للإفراج عن الجثامين السبعة - من مختلف المحافظات- المحتجزة داخل ثلاجات الاحتلال، كواحدة من أشكال جرائم الاحتلال التي تخالف القوانين الدولية والشرائع الدينية ولا يعيرها الاحتلال اهتماماً، بل ومنذ عشرات السنين لا تزال سلطاته تختطف جثامين ورفات العشرات من الشهداء داخل ما يسمى "مقابر الأرقام".

وجرى تسليم الشهيدين الرجبي والشلودي، بعد نحو أسبوعين على تسليم خمسة آخرين، وقبلهم بنحو أسبوع أو أكثر كذلك تسليم أربعة شهداء من أبناء المحافظة الذين ارتقوا خلال الهبة الأخيرة (الخليل قدمت أكبر عدد من الشهداء والجرحى، والأسرى كذلك إلى حد وصفها بالمنكوبة اعتقالياً، ولا تزال تواجه طعنات المستوطنين وتقطيعات حواجز الذل لقلبها)، وقبل هذه الدفعات بأسابيع وشهور جرى تسليم شهداء آخرين من بينهم شهيدات المحافظة، وجاءت في أعقاب الحملات والدعوات والجهود الرسمية والشعبية والحقوقية القانونية لاسترداد الجثامين، فيما يؤكد القائمون على هذا الحراك استمراره حتى احتضان ثرى الوطن الجثامين كافة. في وقت كانت سلطات الاحتلال ترفض تسليم الجثامين إلا بشروط من بينها اقتصار التشييع على الأقارب وفي أوقات الليل، الأمر الذي رفضه ذوو الشهداء واعتبروا أن "من حق الشهداء عليهم أن يُزفوا إلى الجنان بفخر وبمواكب تليق بتضحياتهم تشارك فيها كل العائلات والجهات.. وفي وضح النهار". وأيضاً في ظل محاولات الاحتلال إرباك أهالي الشهداء بتأخير التسليم والمماطلة والخروج بتصريحات من قادته لاحتجاز عدد منهم في مقابر الأرقام، ووسط المأزق الدولي الذي يعيش، لاسيما على الصعيد الحقوقي، إلا أن صمود الأهالي وإصرارهم على احتضان جثامين أبنائهم ودفنها في قبورهم، تجعل محاولات الاحتلال مجرد "فقاعات" في هواء الصمود والتحدي!.