مصانع الملابس الغزية تنهض من جديد

165 مصنعا للملابس في غزة تستوعب حوالي 4500 عامل

حياة وسوق

عماد عبد الرحمن

اشتهر قطاع غزة منذ عقود بصناعة الملابس، وظلّت لعقود رافدا اقتصاديا مهما ومنبتا لفرص العمل، وتميز العامل الفلسطيني في هذا القطاع بالمهارة والخبرة ، الأمر الذي دفع العديد من الشركات الإسرائيلية (سابقا) الى التعاقد مع مصانع الملابس بقطاع غزة من الباطن لإنتاج شتى أنواع الملابس الجاهزة، وكانت تسوق في أوروبا وكندا وأمريكا تحت مسميات شركات إسرائيلية وهو في الأصل صناعة فلسطينية بامتياز.

غير ان قطاع صناعة الملابس بدأ بالتراجع منذ الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة ودخول إسرائيل "اتفاقية الجات" وإغلاق الكثير من الشركات الإسرائيلية المصنعة للملابس واعتمادها على الشركات الصينية، وما زاد الطين بلة سيطرة حركة حماس على قطاع غزة وفرض حصار خانق على جميع مناحي الحياة الأمر  الذي أدى في المحصلة الى إغلاق عشرات المصانع وتسريح آلاف العمال وانهيار هذا القطاع الاقتصادي الحيوي.

واتفاقية الجات هي الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة وعقدت في تشرين الأول /أكتوبر 1947م، بين عدد من البلدان تستهدف التخفيف من قيود التجارة الدولية.

ولم يستسلم صانعو الملابس والنسيج لهذا الواقع المرير وبذلوا جل جهودهم لمحاولة إحياء هذا القطاع الحيوي من جديد خاصة بعد انتخابات اتحاد صناعة الملابس والنسيج عام 2015، ومحاولات الاتحاد إعادة إحياء صناعة الملابس والنسيج وإعادتها لمسارها من جديد.

يقول تيسير الاستاد رئيس اتحاد صناعة الملابس والنسيج وعضو مجلس إدارة مركز التجارة الفلسطيني "بال تريد": كان يوجد في قطاع غزة قبل عام 2000 ما يعادل 900 مصنع ملابس أغلبها يعمل بتعاقد من الباطن مع شركات إسرائيلية، وعدد بسيط فقط من هذه المصانع من 7% الى 10% كان ينتج للسوق المحلي لأسواق غزة والضفة، وكان يعمل في مجال صناعة الملابس حوالي 36 ألف عامل، ولكن بعد الانتفاضة الثانية، وانضمام إسرائيل لاتفاقية الجات، وتحولها الى "الهاي تك"، وبتبعية اقتصادنا بالاقتصاد الإسرائيلي تأثرنا كثيرا بالسياسة الاقتصادية الإسرائيلية، وبالتبيعة أغلقت الكثير من مصانع الخياطة في قطاع غزة الى أن وصل عدد المصانع في عام 2005 حوالي 400 مصنع، ومع الانقسام اغلقت أغلب المصانع نتيجة الحصار الذي فرض على قطاع غزة".

ويضيف الاستاذ: "بعد انتخابات اتحاد صناعة الملابس والنسيج عام 2015  كان يوجد 110 مصانع، وبعد القرار الإسرائيلي عام 2015 بفتح أسواق الضفة جزئيا للمنتج الغزي، تم عقد ورشات عمل من خلال مركز التجارة الفلسطيني بال تريد وتم جمع اصحاب المصانع من غزة مع المستوردين في الضفة، سافر خلالها 16 صاحب مصنع للضفة الغربية عام 2015 والاجتماع مع 35 شركة من شركات استيراد الملابس في الضفة، وكان باكورة الاجتماع توقيع اتفاقيات بين 7 مصانع من غزة وتجار من الضفة وكان المنتج عبارة عن ملابس أطفال وعبايات وجينز، وخرجت أول شحنة ملابس وقتها لأسواق الضفة في شهر فبراير عام 2015".

 

عودة الى النمو

ويشير الأستاذ الى أن عدد المصانع التي تورد ملابس لأسواق الضفة تصاعد من 16 الى 26 مصنعا وبلغ حجم مبيعاتها عام 2015 حوالي 6 ملايين شيقل، كما يوجد حوالي 15 مصنعا في غزة تعمل لشركات إسرائيلية وصل حجم مبيعاتها  في العام نفسه حوالي 8 ملايين شيقل، ويخرج كل يوم تقريبا شحنة ملابس من غزة لأسواق الضفة وإسرائيل، منوها الى أن عدد المصانع التي تعمل الآن فعليا على الأرض وصل الى 165 مصنعا تستوعب حوالي 4500 عامل وهذه الزيادة ناتجة عن فتح أسواق الضفة أمام المنتج الفلسطيني.

 

عقبات

وأوضح الأستاذ الى أن أهم العقبات التي واجهت قطاع صناعة الملابس  تتمثل بالحصار حيث ان 10 سنوات من الإغلاق أفقدت أصحاب المصانع في قطاع غزة الكثير من الزبائن في أسواق الضفة وحدوث متغيرات كبيرة في السياسة الاقتصادية الإسرائيلية نتج عنها فجوة كبيرة بين الجانب الفلسطيني والإسرائيلي، وأزمة الثقة بين الشركات الإسرائيلية وأصحاب المصانع في القطاع،  ناهيك عن حرية الحركة وسحب التصاريح على المعابر، والأيدي العاملة الماهرة الشابة التي كادت تنقرض، فالعمال المهرة وأصحاب الخبرة أعمارهم تتجاوز الـ 40 عاما لذا لا بد من ضخ دم جديد من العمال الشباب عن طريق التعليم الأكاديمي المهني ومشاريع تنموية تهدف الى تدريب عمال في هذا المجال.

 

اسواق غزة

وقال: ان اتحاد صناعة الملابس والنسيج عمل على خطة إحلال الواردات وذلك من خلال اعتماد الاعتماد على المنتج المحلي في مجال الزي المدرسي والبنطلون والجينز بنسبة 70%، والزي الشرعي "الجلباب والعباية" بنسبة 80% منتج محلي من مصانع ملابس في قطاع غزة، وهذا أعطى دفعة لتطوير الصناعة، وبمواصفات وجودة مرتفعة وسعر منافس وهذا كان بمثابة دفعة كبيرة أمام الاقتصاد الفلسطيني المحلي وكان موسم الصيف الماضي جيد للمنتجين المحليين، مضيفا أن أزمة السيولة النقدية لدى التجار المستوردين وضعف القدرة الشرائية في الأسواق ساهم أيضا في تقدم المنتج المحلي وإحلاله مكان المستورد في بعض الأصناف الأمر الذي جعل بعض التجار المستوردين التوجه للمنتج المحلي.

 

أصحاب المصانع

من جانبه يقول ماجد زقوت مدير عام شركة الماجد لصناعة الملابس المتخصصة في الزي الشرعي والمدرسي: ان شركته واجهت مصاعب كثيرة خاصة في فترة الإغلاق حال الكثير من الشركات المنتجة في القطاع، وعندما فتحت أسواق  الضفة أمام منتجات غزة منذ عامين تقريبا واجه صعوبات كبيرة منها غزو المنتجات الصينية للأسواق بصورة عامة والانقطاع الطويل عن أسواق الضفة، فبدأ من الصفر في نسج علاقات جديدة والبحث عن مصادر جديدة لتسويق منتجه ، مشيرا الى أن صعوبة السفر والوصول الى أسواق  الضفة والأسواق الخارجية من أهم العقبات التي تقيد عمل مصانع الملابس لأن عملهم يتطلب مواكبة كل ما هو جديد.

 

المنتج الصيني

وأكد زقوت أنه ليست لديه مشكلة مع المنتج الصيني ولكن مشكلته تكمن في أن السوق في فترات سابقة غرق بمنتجات صينية ليست نخب أول استوردها بعض التجار، ولكن بعد فترة انكشفت هذه البضائع وعزف المستهلك عنها، وكان هذا في مصلحة المنتج المحلي خاصة في مجال الزي الشرعي والمدرسي والبناطيل الجينز التي تفوقت على المنتج الصيني في الجودة وتنافسه في السعر.

واستطرد زقوت قائلا: "اليوم المصانع التي تعمل في البلد أصبحت مصانع محددة ومعروفة بمنتجها وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، والمنافسة الشرسة بين المصانع من جهة والمستورد من جهة آخر المصنع الجيد فقط هو الذي يستطيع إثبات وجوده والبقاء".

وأشار زقوت الى أن بعض تجار الجملة المستوردين من الصين حاولوا ترسيخ ثقافة المنتج المستورد على حساب المنتج المحلي، ولكن المنتج المحلي اليوم أصبح له حصة محددة في السوق لا جدال عليها، وفي ظل هذه الظروف تقريبا ثبتت حصة المنتج المحلي بجانب حصة المستورد وإن كانت حصة المستورد أكبر.

وعن العوامل التي تتحكم في المنتج المحلي قال زقوت: هناك عدة عوامل تتحكم في حصة المنتج المحلي وهي الوضع الاقتصادي ، كمية الملابس المستوردة، دعم الجهات المعنية  التي أعلنت مشروع إحلال الواردات ولكنها لم تطبقه كما يجب، ورفع الضرائب عن المواد الخام الداخلة في تصنيع المنتج المحلي.

 

صراع مع المستوردين

وقال زقوت: إن تاجر المستورد يقوم بإغراق السوق بالبضائع، والقدرة الشرائية ضعيفة ما يجعل أصحاب المحلات يحجمون عن شراء منتجات أخرى خاصة المحلي منها حتى تصريف بضائعهم وهذا يؤدي الى عدم التوازن، ومن جانب آخر عندما يجد تاجر المستورد وضع السوق ضعيف وقلة الإقبال على شراء منتجه يضطر للبيع بسعر التكلفة وأحيانا بأقل من سعر التكلفة، وهذا يؤدي الى مشاكل مالية كبيرة، مضيفا أننا حاولنا كثيرا كتجار منتجين التنسيق مع تجار الجملة المستوردين لوضع آلية للحفاظ على توزان السوق لكننا لم ننجح في ذلك.

من جانبه أوضح عماد عبد الهادي رئيس جمعية تجار الملابس أن الجمعية تضم ثلاث فئات من التجار وهم تجار منتجون وتجار مستوردون وتجار تجزئة وبالتالي التجار المنتجون أمرهم يخص الجمعية، وليس هناك تعارض مصالح بينهم، مؤكدا أنه لا توجد منافسة حقيقة مع المنتج المحلي إلا في صنفين فقط هما الزي الشرعي "الجلباب والعباية " والجينز، وأن جمعيته ناضلت من أجل النهوض بالمنتج الوطني وتم التوصل مع تجار مستوردي الملابس الى آلية تم بموجبها منع استيراد الجلباب والعباءة من الصين لدعم المنتج المحلي وتم تطبيق الاتفاق عام 2014 وبالفعل بدأ الانتاج المحلي ينمو ويتطور.

ونفى عبد الهادي اتهام مستوردي الملابس بإغراق السوق قائلا: "في عام 2012 كان هناك كميات كبيرة من بضائع الملابس بجودة منخفضة تغرق الأسواق وبعد رفع الحصار عن الملابس عام 2010 ونتيجة لتعطش السوق تم ضخ كميات كبيرة من البضائع، ولكننا كجمعية تحركنا لتنظيم السوق، وفي عام 2011 عقدت عدة جلسات لوضع خطط للاتفاق على كوتة تجارية وتحديد حصة محددة لكل تاجر حسب قدراته وحسب حاجة السوق، وبالفعل تم ضبط الكميات المستوردة، وتنظيم السوق، وتحديد بعض السلع لتخفيفها بنسب محددة وسلع تم منعها حسب احتياجنا، وبالتالي أصبح التاجر يستورد أفضل الأصناف للمنافسة.

وأضاف عبد الهادي أن ما حدث بعد الحرب الأخيرة عام 2014 في الأسواق هو خلل تجاري وليس إغراق للسوق بالمستورد، فالوضع الاقتصادي المتردي جدا والمتقهقر، وتوجه وزارة المالية في غزة الى فرض الكثير من الرسوم الجمركية، وتوجهها لزيادة إيراداتها أكثر من ترتيب التوافقات الاقتصادية التي تم إقرارها، أدى الى استنزاف التجار ووقوع الكثير منهم في أزمات مالية، ونتج عن ذلك استيراد صفقات الملابس والبالة بكميات كبيرة نتيجة لزيادة منح التصاريح للكثير من التجار وأشباه التجار الأمر الذي ساهم في هذاالخلل، وأشار عبد الهادي الى أن القرارات التي تم اتخاذها على المعابر من تعلية جمركية ورسوم والديون المتراكمة على التجار وقلة السيولة وضعف الاسواق والتنافس الشديد، والمضاربة في الأسعار أدت الى تلاشي الأرباح وسقوط بعض التجار وأصبحت أسماء كبيرة من التجار آيلة للسقوط.

 

بالارقام

ويبلغ استهلاك قطاع غزة من الملابس حوالي 70 شاحنة سنويا، في حين يدخل على القطاع سنويا 140 شاحنة ملابس وهذا خلق نوع من المضاربة بين التجار وأوجد خلل نتج عنه أن بعض التجار أصبح يبيع بضاعته بأقل من سعرها الحقيقي للبحث عن السيولة، وتجميد أمواله، بجانب استيراد منتجات رخيصة من الصين، في حين يوجد في غزة مصانع عندها الكفاءة والقدرة على إنتاج منتج يغطي أكثر من 60% من احتياجات السوق.

وفي عام 2012 انخفض عدد الشاحنات من الملابس من 160 شاحنة الى 110 ،وفي 2014 وصل عدد الشاحنات الملابس سنويات 96 شاحنة سنويا، كما تم منع الزي المدرسي والشرعي والجينز، لأن قطاع غزة عنده القدرة على تلبية احتياجات السوق من هذه الأصناف وبجودة عالية ومنافسة.

يقول أحمد الحداد صاحب محلات لملابس الأطفال: ان المنتج المحلي بشكل عام في مجال الأطفال غير متوفر ولا يوجد بديل للمستورد،  وإذا توفر فهو لا يفضل التعامل معه والسبب في ذلك يرجع من وجهة نظره أن قطاع غزة محدود المساحة ومصانع إنتاج الملابس عند إنتاجها لصنف ستكون محلات القطاع مليئة به وعندها تصبح أصنافه محروقة في السوق ولا يستطيع بيعها ولا التميز في السوق كما اعتاد على ذلك زبانه، فزبائنه على حقد قوله يبحثون على بضاعة مميزة غير مكررة في السوق.

وأشار الحداد إلى أنه لا يستطيع الذهاب للمصانع المحلية واختيار كميات قليلة من الموديلات كما يفعل في تركيا أو الصين أو إسرائيل لأن أصحاب المصانع في غزة لا يستطيعوا توريد كميات صغيرة لأنهم يخسرون وهذا سبب آخر يجعله لا يستطيع الشراء من المصانع المحلية لأنه يفضل أن يستورد كميات قليلة من كل صنف من أكثر من جهة حتى لا يقع مخاطر ركود السوق وقلة القدرة الشرائية.