"الشبكة العنكبوتية".. خيار الغزيين القسري

- وفرت مصادر إنارة مناسبة لعشرات الآلاف من العائلات في رمضان

حياة وسوق

نادر القصير

ارتبط قدوم شهر رمضان في كل عام بتفاقم أزمة الكهرباء بصورة حادة، وتطبيق جداول فصل قاسية، غالبا ما ترهق المواطنين وتدفعهم للتذمر والشكوى، والواضح أن الأزمة هذا العام ربما كانت أقسى وأصعب، خاصة مع نقص الوقود خلال النصف الأول من شهر رمضان وانقطاع الخطوط المصرية المغذية لمناطق الجنوب بالقطاع.

ولم يعد يخلو بيت في قطاع غزة من شبكات كهربائية عشوائية، تسمى محليا "الشبكات العنكبوتية" ، التي أضحت بديلا قسريا لتوفير الحد الأدنى من الإنارة للمواطنين، في ظل الانقطاع المستمر للتيار عن المنازل، فبعد أن أثبتت المولدات فشلها وخطورتها، ولم يعد معظم المواطنين قادرين على تحمل كلفة تشغيلها العالية، بات ما يعرف بـ "اللدات"، أو المصابيح الصغيرة الموفرة للطاقة، هي وسيلة المواطنين الوحيدة للحصول على الإنارة.

 

 

شبكات الإنارة العنكبوتية

وانتشرت في قطاع غزة مصابيح صينية الصنع، صغيرة الحجم ورخيصة في أسعارها، وتصدر إنارة جيدة، وتعمل بواسطة بطاريات صغيرة بقوة "12 فولت"، وتستهلك الطاقة بقدر محدود، ويطلق عليها محليا اسم "لدات"، أو "الشبكة العنكبوتية"، وتستمر لساعات طويلة رغم إنارتها الخافتة نسبيا إلا أنها تحل مشكلة جزئيا.

ووجد غالبية المواطنين خاصة محدودي الدخل في تلك المصابيح حلا آمنا وعمليا لمواجهة الأزمة، وتوفير الإنارة داخل المنزل طوال فترات انقطاع الكهرباء، دون خوف أو قلق، وذلك بعد أن تعددت خلال السنوات الماضية خيارات المواطنين لمواجهة أزمة الكهرباء في رمضان، لكنها خلت هذا العام تقريبا من الشموع، خاصة بعد الحوادث المؤلمة التي تسببتها، وراح ضحيتها العديد من الأطفال.

ويقول المواطن أحمد عمر من سكان غرب مدينة رفح، إنه يبحث منذ أكثر من عام عن طريقة آمنة ورخيصة لإنارة منزله خلال فترة انقطاع الكهرباء، فوجد في "اللدات"، الحل، وقام بشراء عدد منها، وصمم شبكة خاصة داخل المنزل، توفر الإنارة في كل أنحائه، مبينا أنه اشترى بطارية صغيرة، ويقوم باستخدامها في الإنارة، وحين تفرغ الطاقة المخزنة فيها، يعطيها لأحد أصدقائه، حيث يمتلك الأخير شاحن مخصص للبطاريات، ليقوم بشحنها ومن ثم إعادتها إليه.

وبين عمر أن أهمية المصابيح المذكورة تتزايد خلال الشهر الفضيل، وما يرافقه من أزمة في الكهرباء، التي لا يكثر انقطاعها خلال تناول وجبتي الفطور والسحور يوميا، لافتا إلى أنه اشترى نوعية أفضل وإنارتها أقوى، ووضع في البطارية ماء مقطرا جديدا، لضمان كفاءة إنارة جيدة خلال رمضان.

 

خيارات قسرية

أما المواطنة نعيمة صلاح، من سكان شرق مدينة رفح، فأكدت أنها تعاني في كل شهر رمضان من أزمة كهرباء خانقة، وتضطر وأسرتها على المبيت ليالي طويلة من دون إنارة، خاصة بعد أن أثبتت كافة الطرق عدم كفاءتها أو خطورتها، بينما الطرق الآمنة تحتاج إلى تكاليف كبيرة.

وأكدت صلاح أن الاستعدادات هذا العام بدأت مبكرة، لقضاء شهر رمضان بأقل معاناة ممكنة، فد بدأ زوجها بالبحث منذ مدة عن آلية لإنارة المنزل، تكون أسعارها مناسبة، ولا تشكل خطورة على حياة القاطنين في المنزل.

وأوضحت أن الزوج فوجئ بانتشار "اللدات"، في معظم المنازل، فقرر تمديد شبكة داخل منزله، وشراء كل ما يلزم من أجل توفير الإنارة الآمنة،وانتقدت صلاح شركة الكهرباء وبشدة، موضحة أنه من واجب الشركة العمل طوال العام لتحسين جداول توزيع الكهرباء في شهر رمضان، وتقديم خدمة أفضل للمواطنين، ليتمكنوا من إمضاء هذا الشهر في ظروف هادئة ومستقرة، بعيدا عن المعاناة، لكن الشركة لا تتعلم من دروس وعبر السنوات الماضية، وفي كل عام تتكرر نفس المشكلة.

 

حلول آمنة

أما المواطن علاء محمود، فأكد أنه جرب كل الطرق، بدءا بالمولد ومرورا بموفرات الطاقة "يو بي أس"، وليس انتهاء بالشموع الخطرة، لكنه اكتشف أن لكل طريقة عيوبها، فالمولد ورغم كفاءة وجودة الطاقة الصادرة عنه إلا أنه مكلف ماديا، ومزعج، وخطر، بينما مشكلة "يو بي أس" تكمن في ارتفاع ثمنه، وحاجته لتغيير البطارية كل عام على الأقل في ظل ارتفاع أسعار البطاريات بالقطاع وتصل الى 1500 شيكل وهذا مبلغ كبير لا يستطيع تحمله كل فترة.

وبين محمود، أن اللدات "الشبكة العنكبوتية" وفرت مصادر طاقة مناسبة لعشرات الآلاف من العائلات، والإقبال عليها يتزايد، مع رخص أسعارها وكفاءتها، وتوفيرها عامل الأمان، موضحا أنه صمم لها شبكة خاصة وجهز منزله بعدد منها توطئة لشهر رمضان والأزمة المتوقع حدوثها خلاله.

 

تشوه المنازل

وبدا منزل المواطن تيسير عوض، مشوها من داخله، من كثرة الأسلاك المتشابكة والمتقاطعة، والمفاتيح المتدلية هنا وهناك، ولفت عوض: أعلم أن هذا المنظر سلب المنزل رونقه وجماله، وهو محط انتقاد دائم من قبل زوجتي وأبنائي وحتى زواري، لكنها الطريقة الوحيدة من أجل توفير الإنارة في كافة الغرف، ما يسهل علينا الحياة والتحرك داخل المنزل، وقت انقطاع التيار.

وأوضح عوض، أنه اضطر لوضع مولد الكهرباء الذي كان يستخدمه جانبا، بعد أن أضحت ساعات قطع الكهرباء طويلة، تستمر في معظم الأيام حتى ساعات السحور، ما أجبره على دفع مزيد من المال لشراء بطاريات صغيرة وشاحن لشحنها بالطاقة، وأسلاك ولدات.

وأكد أنه صمم شبكة إنارة جديدة متكاملة، ووضع اللدات في كل مكان في المنزل، وفور انقطاع الكهرباء خاصة خلال ساعات الليل، يقوم بتشغيلها.

أما زياد عبيد فأوضح أن تلك اللدات لا يمكن أن تكون بديلا عن الكهرباء العادية، نظراً لضعف إنارتها، لكنها تبقى الوسيلة الأفضل والأوفر والأكثر أمنا في ظل الأزمة الحالية.

أما المواطن محمد ابو الديب، وكان يهم بمغادرة أحد محال الأدوات الكهربائية، وهو يحمل عددا من المصابيح المذكورة، وكمية من الأسلاك والمفاتيح، إضافة إلى بطارية جديدة، فأكد أنه وجد نفسه مضطرا لتوسيع شبكة اللدات في منزله، بعد أن كانت مقتصرة على غرفة وصالة، لا سيما وأن رمضان تكثر فيه الزيارات العائلية في ظل ما تشهده الاوضاع من اشتداد لأزمة كهرباء مضاعفة هذا العام.

وبين أبو الديب أنه اضطر لتشويه منزله الذي كلفه كثيرا من أجل تزيينه وطلائه بأفضل الدهانات، وباتت الأسلاك البيضاء تشاهد في كل ركن بداخله، فهو مضطر لذلك، ويأمل أن تكون هذه الطريقة مؤقتة، وأن تنتهي الأزمة العاصفة، أو على الأقل يجد طريقة أخرى أقل ضررا وأشار إلى أن كل ما بات يهمه حاليا وفي ظل الأزمة غير المسبوقة، أن يتمكن من شحن بطاريتيه، اللتين تحتاجان إلى ثماني ساعات كهرباء متواصلة بصورة يومية على الأقل.

 أما المواطن نضال جميل، فأكد أنه ابتكر طريقة جيدة في شحن البطاريات، فبعد أن انتهى من تجهيز منزله بما أسماه "شبكة عنكبوتية"، من الأسلاك واللدات، اصطدم بعقبة شحن البطارية، فالكهرباء المتوفرة حاليا لا يمكن أن تكمل شحنها، فلجأ لاستخدام الدراجة النارية التي يمتلكها لتلك المهمة. وأكد جميل أن بطارية دراجته تشحن تلقائيا بمجرد التحرك فيها، وحين تنفذ الطاقة من البطارية المتواجدة داخل المنزل، ينقل الكوابل فورا لبطارية الدراجة، وهذا يوفر لمنزل إنارة تكفيه لساعات عدة.

ولفت جميل إلى أنه حاول قدر المستطاع الحفاظ على شكل المنزل، وتجنب تشويهه، عبر جعل الأسلاك تسير بجانب الجدران، وتثبيتها في السطح، وإن كان ذلك يبدو صعبا في ظل إنشاء شبكة متكاملة خارج الجدران.