الشمام الفلسطيني لا حامي له!

طمون- حياة وسوق - ميساء بشارات- لم تكن زراعة الشمام التجربة الأولى للمزارع محمد حسين "ابو ضرغام" من بلدة طمون في زراعة أصناف لم تكن منطقته معتادة على انتاجها من قبل.

تجاربه بدأت بزراعة الفراولة والبندورة العنقودية والفلفل وغيرها، لتصل الآن الى الشمام.. وربما تنتهي بالشمام أيضا.

تجربة "ابو ضرغام" التي شجعت غيره من المزارعين على السير على خطاه لتطوير المنطقة زراعيا والاعتماد على الذات وخلق فرص عمل جديدة، وتحقيق اكتفاء ذاتي، هذه التجربة اصطدمت بعائق التسويق ومنافسة المنتج الاسرائيلي الذي يغزو الاسواق المحلية وضربه المنتج المحلي.

يشرف "ابو ضرغام" (56 عاما) على العمال الذين يقطفون شمام مزرعته الواقعة في سهل البقيعة المحاط بمستوطنتين (بكعوت، وروعيه)، ومعسكر تدريب لقوات الاحتلال يسمى "حمدان"،  وخندق يبدو أنه أساس لجدار الفصل العنصري، ويقول : "كانت هذه الأرض مهددة بالمصادرة والاستيطان، وكانت تعتمد فقط على الزراعة البعلية، لكنني وبحمدالله تمكنت من مد خط مياه لها فغيرت وجهها، وأصبحت منطقة خضراء".

يضيف "ابو ضرغام" وهو يتفحص احد صفوف الشمام الخضراء: "لم يكن احد يجرؤ على الزراعة هنا ومد خطوط مياه لها، خوفا من اعتداءات الاحتلال، لكنني قررت المخاطرة بمد خط المياه، وكان النجاح حليفي".

لكنه لم يسلم من اعتداءات الاحتلال فقد تعرض أثناء تجهيز الارض للزراعة لمداهمات جيش الاحتلال ولمضايقتهم، وملاحقتهم إياه ليل نهار، لمنعه من اكمال مد خط المياه وصادروا المعدات الزراعية التي كان يستخدمها ولم يفرجوا عنها الا بعد دفعه غرامات مالية.

رغم ذلك واصل "ابو ضرغام" مد خطوط المياه بالعمل ليلا، فأصبحت المنطقة مفتوحة للزراعة، وفرض واقعا على الأرض رغم تضييقات الاحتلال.

نكبات متلاحقة

"موسم هذا العام كان سيئا جدا، وتكبد المزارع خسائر كبيرة... ومن المزارعين من كانت هذه تجربته الاولى في زراعة اصناف جديدة والآن هو يتحفظ على الاستمرار في زراعتها". ويضيف "ابو ضرغام": "انتاجنا من الشمام ذو جودة عالية ومذاقه طيب، ويشهد الكثير انها خطوة وطنية بامتياز، لكن المنتجات الاسرائيلية التي اغرقت السوق المحلية وباسعار ضربت منتجنا خاصة من ناحية التسويق فبقي شمامنا في أرضه".

ورغم مناشدة المسؤولين الا ان المنتج الاسرائيلي لا يزال يتدفق الى الاسواق المحلية، ما يكبد المزارع الفلسطيني الذي استثمر الكثير حتى تنضج ثماره، خسائر فادحة.

ويشير "ابو ضرغام" ان المحاصيل الزراعية تعرضت لأضرار كبيرة بداية هذا العام بسبب موجة الصقيع التي اجتاحت المنطقة خلال المنخفضات الجوية المتتابعة.

وتقدر المساحات المزروعة التي تعرضت إلى أضرار، خلال العاصفة الثلجية "هدى" وموجة الصقيع التي تبعتها، في منطقة طوباس والأغوار الشمالية (سلة غذاء فلسطين)، بنحو 30 ألف دونم.

"بعد موجات البرد والصقيع"، يقول ضرغام "ضربت المنطقة قبل نحو شهر موجة حر شديدة دمرت الموسم الاول لمحصول الشمام، والحقت بالمزارع خسائر كبيرة لا يستطيع تحمّلها وحده.

فمدخلات الانتاج الزراعية في بداية كل موسم يتم توفيرها عن طريق شيكات مؤجلة لاصحاب المشاتل ومتاجر الادوية الزراعية. والآن لن يتمكن المزارع من تسديد قيمة هذه الشيكات لأنه لم يجد سوقا لمنتجه.

ويتساءل "ابو ضرغام": ألا يستحق المزراع الفلسطيني الذي يعاني من أجل الصمود وحماية أراض مهددة بالمصادرة، وإنتاج أصناف جديدة الدعم والمساندة؟ أين دور وزارة الزراعة الفلسطينية، والضابطة الجمركية في حماية المنتج المحلي من عمليات تهريب الشمام واغراق السوق المحلية بالمنتج الاسرائيلي؟

ويدعو أيضا الى النهوض بالقطاع الزراعي ودعم البنية التحتية لهذه المنطقة من اجل القدرة على الاستمرار فيها، ما يساهم في توفير فرص عمل، وفتح أفق للمزارعين من اجل استقطابهم للعمل وتطوير المنطقة وإنتاج أصناف جديدة وتحقيق جزء من الاكتفاء الذاتي من المنتجات الزراعية، وحماية الارض من التوسع الاستيطاني.

 

وعود في مهب الريح

يقول "ابو ضرغام" إنه تلقى وعودا كثيرة من قبل المسؤولين، بداية افتتاح مشروعه وزراعة جزء من ارض سهل البقيعة الخصب، لكن هذه الوعود بقيت كلاما في الهواء ولم تترجم الى واقع على الارض. "في بداية المشروع جاء الكثير من المسؤولين الى المنطقة، التقطوا الصور والقوا خطابات ووعدونا بدعم صمودنا في الارض، وذهبوا، وعندما جاء وقت احتجناهم فيه لم نجدهم!".

 

تقصير المسؤولين يهجّرنا من الأرض

بعد ان خلق مشروع زراعة الشمام فرص عمل للعشرات، وجد "ابو ضرغام" نفسه اليوم تحت وطأة ديون متراكمة نتيجة الخسائر المتلاحقة: "عدم منع المنتج الاسرائيلي من دخول أسواقنا يدفع المزارع الى هجر ارضه، فينقطع دخل المئات من المزارعين المعتمدين على الزراعة كمصدر رزق لهم، وترتفع نسبة البطالة، فيتجه هؤلاء للعمل في المستوطنات".

وعلى جانب احد شوارع مدينة نابلس يقول بائع على بسطة شمام وبطيخ، إن الاسعار هي التي تحكم اختياره. الشمام الإسرائيلي أقل سعرا من الفلسطيني.

ويوضح ان المواطن يشتري الاسرائيلي بسبب فرق السعر بين الصنفين، ولوثوق المستهلك بجودة الاسرائيلي، رغم ان الشمام الفلسطيني ذو جودة ومذاق تتفوق عن الاسرائيلي.

 

وزارة الزراعة: العين بصيرة واليد قصيرة

ويقول مدير التسويق في وزارة الزراعة الفلسطينية طارق ابو لبن: "إن وزارة الزراعة اتخذت قرارا بمنع دخول المنتج الاسرائيلي من الشمام والبطيخ إلى إسواق الضفة بهدف دعم المنتج الوطني وحماية المزارعين، والحد من منافسة المنتج الإسرائيلي للوطني".

وأشار ابو لبن إلى ان الضابطة الجمركية تعمل على ضبط المنتج الاسرائيلي من هذا الصنف وتحويل المتورطين والمهربين الى القضاء لاتخاذ الاجراء القانوني بحقهم، كما أن الوزارة تحاول بكل امكانياتها منع دخول المنتج الاسرائيلي الذي له بديل فلسطيني في الاسواق المحلية.

ونوه الى ان طواقم وزارة الزراعة ضبطت تجارا بالتعاون مع الضابطة الجمركية وهم يهربون منتجات اسرائيلية، وتمت احالتهم الى القضاء.

 

المحصول قليل.. فلماذا لم يجد حماية؟

وعلى هذا التساؤل يجيب أبو لبن: "ان دور الزراعة هو وضع السياسات اللازمة من اجل حماية المنتج، و"الزراعة" تقوم بهذا الدور، ولكن لا يقع على عاتقها مراقبة الحدود".

ويضيف: "نحن دولة لا توجد لها سيادة، وبالتالي هناك صعوبة في السيطرة على المعابر والحدود، منوها ان الطواقم المسؤولة تعرضت اكثر من مرة الى تهديدات الاحتلال اثناء قيامها بدورها واثناء ملاحقة موردي المنتج الاسرائيلي المهرب.. دور وزارة الزراعة الأساسي ليس مراقبة الحدود.. كما ان الإمكانيات المتاحة للوزارة غير كافية.