في غزة.. عزوف عن الأواني الفخارية لصالح المستورد

حياة وسوق- علاء الهجين وتوفيق المصري - توجهت الخمسينية ام نضال الى مشغل لبيع الأواني الفخارية بشارع الفواخير مقابل سوق فراس وسط مدينة غزة لشراء "زبدية فخارية" للاستخدام البيتي, وبعد تردد وحيرة غادرت المكان دون ان تشتري أي قطعة وعكست توجهها الى محلات لبيع الادوات البلاستيكية.

وبمجرد ان وصلت متجر الادوات المنزلية اتجهت انظارها الى قطعة بلاستيكية مستوردة مشابهة للفخارية وفورا قامت بشرائها وعادت الى منزلها لتحضر الطعام بها لزوجها واولادها قبل عودتهم من عملهم.

وتعتبر صناعة الفخار في فلسطين من اقدم المصنوعات الشعبية وقد استعمل الفلسطينيون القدماء الأواني الفخارية في طهي الطعام واحيانا اخرى لتخزين الاطعمة كالزيت واللبن, فيما تعتبر غزة اول المدن التي قامت بصناعة الفخار.

ويشتكي أصحاب مصانع الفخار في القطاع من الحصار الإسرائيلي وإغلاق المعابر ما أوقف حركة التصدير للخارج، بالإضافة إلى الإهمال الحكومي لهذه المهنة التي تمثل جزءاً من التراث الفلسطيني الذي يتميز به قطاع غزة, فيما اضحت العائلات الفلسطينية تفضل استخدام الادوات البلاستيكية والعظمية المستوردة بديلا عن الاواني الفخارية التي بدأ يتلاشى استخدامها بمعظم البيوت الغزية.

وتؤكد ام نضال انها كانت مترددة بالاختيار بين الاواني الفخارية والادوات البلاستيكية المستوردة ولكن في نهاية المطاف فضلت شراء الاخيرة كونها ذات جودة عالية وتدوم فترة اطول.

وتضيف: "استعملت الاواني الفخارية فترة طويلة, وكنت احضر بها معظم طعامي بل كنت استخدمها لزراعة الورود وشتلتي النعناع والريحان, ولكن بعد ان شاهدت الاواني البلاستيكية فضلت استعمالها لانها صلبة وذات جودة عالية اضافة الى انها لا تنكسر اذا ما وقعت من اعلى الى الارض".

وتتابع: "ذات مرة وانا اقوم بطهي الطعام فأردت ان اصنع "السلطة بالزبدية الفخارية ووضعت المكونات فيها وقمت بالدق عليها وفجأة تشققت وانكسرت وباتت غير صالحة للاستخدام, ناهيك عن تلف المكونات التي بداخلها, ومنذ ذلك الوقت فضلت استخدام الاواني البلاستيكية".

اما المواطن العشريني محمد نافذ يوضح ان عائلته تستخدم الاواني البلاستيكية لطهي الطعام وتقديمه وتخزين الزيت واللبن, وانهم منذ سنوات طوال لم يقموا باستخدام الادوات الفخارية كونها ثقيلة الوزن مقارنة بالأخرى اضافة الى انها لا تصمد كثيرا اثناء اعداد الطعام.

ويؤكد انهم قديما كانوا يستخدمون "القدرة" لصناعة وطهي الدجاج مع الارز بفرن النار, ولكنهم حاليا فضلوا عدم استخدامها, لوجود بديل افضل من الفخار.

وتعتبر صناعة الفخار مهنة تراثية توارثها الابناء عن الاباء والاجداد, وتعبر عن تاريخ الشعب الفلسطينية العريق المزدهر بالصناعات الشعبية التراثية, ولكنها باتت تصارع من اجل البقاء نتيجة عوامل تهددها بالزوال.

يؤكد المواطن محمد العسلي صاحب احد المتاجر لبيع الفخار بشارع الفواخير وسط مدينة غزة انه بصدد دخول عامه الثالث والاربعين بهذه المهنة, موضحا انه ورثها عن ابيه الذي نقلها لهم عن اجداده القدماء.

ويوضح ان متجره يحتوي على أوان فخارية متنوعة ومتعددة الاشكال منها القوارير لزراعة الورود و"قدرة" لطبخ الدجاج على النار, واخرى لحفظ الماء باردا بداخلها بفترات الصيف والحر الشديد, وعدة اشكال اخرى للزينة.

وينوه الى ان تجارة الفخار ازدهرت بسبعينيات القرن الماضي بقطاع غزة كون أهل الضفة "كانوا دائمي الزيارة للقطاع ومن خلال زيارتهم يقومون بشراء العديد من الاواني الفخارية من صانعيها وبائعيها داخل المتاجر وعلى الطرقات وبالعربات المتنقلة, اضافة الى انها كانت تصدر الى داخل الخط الاخضر".

ويضيف: "منذ خمسة عشر عاما بدأت صناعة الفخار بالتراجع بسبب منع تصديرها داخل الخط الاخضر وكون الاهالي باتوا يفضلون الصناعات المستوردة للاستعمال البيتي, وبت حاليا لا اجني 70 شيقلا يوميا من بيع الاواني الفخارية فيما كنت قديما اجني اموالا كثيرة من تجارتها".

ويتابع: "الاواني البلاستيكية المستوردة من الصين والبلاد الاخرى باتت تشكل خطرا حقيقيا على صناعة الفخار بغزة, واضحت تقف عائقا امام لقمة عيش الفواخرجي".

من جانبه يؤكد صبري عطا الله "60 عاما" صاحب احد مصانع الفخار بشارع النفق شمال مدينة غزة انه يعمل بتلك المهنة منذ 53 عاما, وقد توارث المصنع عن والده واجداده, وبات يعمل به ويعطيه جل اهتمامه الى ان بدأت تتلاشى تلك الصناعة منذ ما يزيد عن عشر سنوات.

كيف يصنع الفخار؟

ويوضح عطا الله ان صناعة الفخار تمر بعدة مراحل اولها جلب الطين وتنقيته وفلترته من الشوائب ليصبح صالحا للاستعمال, ونضعه بالماء لفترة من الزمن وبعد ذلك نقوم بتنشيفه ووضعه داخل عجانة لتسويته مع بعضه وبعد ذلك يوضع داخل ماكينة تسمى الدولاب ويقوم بالدوران من اليسار لليمين, بعد تجهيزها توضع بالهواء لكي تجف, وبعد ذلك توضع بالفرن على درجة حرارة من 300 الى 400 درجة مئوية, لتجف المياه ويصبح الفخار جاهزا للاستعمال.

ويؤكد ان حبه لتلك الصناعة كحب الانسان لوطنه فهو متمسك بها, وتتوارثها عائلته جيلا بعد جيل, ويطالب الجهات المسؤولة بدعم تلك الصناعة ومساعدتها على البقاء كونها تراث قديم يفتخر به كل انسان فلسطيني,

وتعتبر عائلة عطالله من اولى العائلات التي امتلكت مصنعا لصناعة الفخار بفلسطين.